وممّا جاء من المصادر على هذا البناء، وأريد به الفاعل من الألفاظ القرآنيّة الّتي توقّف عندها أبو السعود:
* (طوع) و (كره) :
وقد وردت هاتان اللفظتان في قوله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ.} (التوبة:53) وقد ذكر أبو السعود أنّهما"مصدران وقعا موقع الفاعل، أي: طائعين أو كارهين، وهو أمر في معنى الخبر." [1]
فاستعمال المصدرين (طوعًا) و (كرهًا) على زنة (فَعْل) أدلّ على المعنى المراد في الآية من اسمي الفاعل (طائعين) و (كارهين) ، فيما لو استعملا. فاسم الفاعل يدلُّ على الحدث وفاعله، ويدلُّ المصدر على عين الحدث، فورود
المصدرين (طوعا) و (كرهًا) اللّذين هما على زنة (فَعْل) ، أبلغ من أيراد اسم الفاعل منهما. وعلى وفق المصدر الدالّ على الحدث يكون المعنى: أنفقوا، وإن كان إنفاقكم يمثّل الطوع نفسه، فلن يُتَقَبَّل منكم، أو كان يمثّل الكره بعينه، فهو غير
مقبول؛ لأنّ الله سبحانه يعلم ما في سرائر المنافقين، وهو الّذي يقول سبحانه: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ.} (التوبة: 54)
وهذا مثل حال من يقول لرجل لأجل المبالغة في الحدث: إنّك تمثّل الخير عينه. أو: إنّك الخير عينه. أو: الشرّ نفسه. أي: وصفه بجميع الجنس للمبالغة، إذ قال ابن جني:"فإذا قيل: رجل عدلٌ، فكأنّه وصف بجميع الجنس مبالغة، كما تقول: استولى على الفضل، وحاز جميع الرياسة والنبل، ولم يترك لأحدٍ نصيبًا في الكرم والجود، ونحو ذلك، فوصف بالجنس أجمع تمكينًا لهذا الموضع وتوكيدًا." [2]
(1) إرشاد العقل السليم 4/ 74.
(2) الخصائص 2/ 204.