إنكار كون القصة عجبًا من بين سائر الآيات العجيبة، فإنّ مدّة لبثهم كبعض يوم عنده عزّ وجلّ." [1] "
يتبيّنُ ممّا تقدّم أنّ أبا السعود قد تنبّه على أنّ المصدر (عدَدًا) أعطى دلالتين، إحداهما: أنّه أفد المبالغة والتكثير في عدد السنين التي لبثوها، وهم نيام، ولا شكّ في أنّها سنين طويلة، يتبيّن ذلك من السياق المتأخِّر في قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.}
(الكهف: من الآية 19) وقوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.} (الكهف: 25)
فعلى هذا يكون ورود المصدر بدل اسم المفعول (معدودة) ، أدلّ َ على المعنى المراد، إذ يوحي إلى السامع مع (المصدر) كثرة طول عدد السنين الماكثين فيها، على حين يتبادر إلى الذهن قلّة عدد السنين الممكوث فيها مع اسم المفعول، وقد قال سبحانه: {أَيَّامًا مَعْدُودَات.} (البقرة: من الآية 184) أي:"مؤقّتات بعدد معلوم أو قلائل." [2] وقد ورد السياق في هذه الاية السياق في آية الكهف في إظهار قدرة الله تعالى في إنامتهم سنين طويلة، من دون تحلّلٍ لأجسامهم، أو تهرئة ملابسهم.
وعلى دلالة المصدر الأخرى ـ التي ذهب إليها أبو السعود ـ على المبالغة في التقليل، تكون سنين لبثهم قليلة، فهي يوم أو بعضه عند الله عزّ وجلّ، على حين هي سنين طوال عند أهل الدنيا، ومجيء المصدر هنا أفاد المبالغة في القلة تناسبا مع السياق الحالي في إنكار الكفار القصة وعدم تصديقهم إمكانية لبثهم سنينًا طوالًا من غير طروء أيِّ تغيير على أجسامهم وملابسهم، وأغفلوا قدرة الله سبحانه، وقد قال: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.} (الحجّ من الآية 47)
وعلى هذا أفاد مجيء الوصف (عَدَد) على صيغة المصدر (فَعَل) معنى المبالغة في كثرة العدد، أو في قلّته، بحسب السياق الوارد في الآية.
(1) إرشاد العقل السليم 5/ 207.
(2) إرشاد العقل السليم 1/ 198.