وقد وردت ألفاظ قرآنيّة على زنة (فِعّيل) ، تعرّض لها أبو السعود في تفسيره، منها:
* (صِدّيق) :
وقد وردت هذه اللفظة في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا.} (مريم: 41) وقد ذهب أبو السعود إلى أنّ معنى (صدّيقًا) في الآية هو ملازم"للصدق في كلّ ما يأتي ويذر، أو كثير التصديق لكثرة ما صدّقَ به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله." [1]
ويعني ذلك أنّ أبا السعود حمل (صدّيقًا) على محملين: ـ
أوّلهما: أنّه أراد بها كثرة وقوع فعل الصدق من إبراهيم(عليه الصلاة
والسلام)، فهو صادق في ذاته إلى الحدّ الّذي جعل الصدق صفةً ملازمة له.
وثانيهما أنّه (عليه الصلاة والسلام) كان كثير التصديق بما ينزله الله
ـ سبحانه ـ من كتب سماويّة ورسلٍ وغير ذلك.
إنّ كلًا من هذين المعنيين، ينمُّ على كثرة وقوع الفعل منه(عليه الصلاة
والسلام)، سواء أكان المراد منه الصدق الّذي هو نقيض الكذب، أم التصديق الّذي هو قبول القول [2] الصادر عن الخالق تعالى، حتّى كان الصدق والتصديق أمرين ملازمين له، فلفظة (صدّيقًا) الّتي جاءت على وزن (فِعّيل) أدلّ على المعنى المراد في الآية من لفظة (صادق) على زنة (فاعل) الدالّة على الحدث وفاعله، فالنبيّ إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) كان كثير الصدق والتصديق لما بما يأتيه من إيحاء غيبيّ أو إلهام إلهيّ، حتّى أنّه (عليه الصلاة والسلام) همّ بذبح ولده حين رأى في المنام أنّه يذبحه؛ ليصدّقَ الرؤيا. قال تعالى على لسان إبراهيم: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى.} (الصافّات: من الآية 102) ثمّ قال تعالى له حين
(1) إرشاد العقل السليم 5/ 266.
(2) لسان العرب 10/ 193 (صدق) .