الصفحة 64 من 371

ومن ذلك ما ذكرَه عندَ تعرُّضِه للفظة (صيّب) في قوله تعالى:

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.} (البقرة من الآية 19) إذ ذكرَ أنّ ذلك تمثيلٌ لحال الكفّار وهم يتفنّنون في كفرهم وضلالهم، وتنقّلهم من حال إلى حال، وأنّ (الصيّب) من" (الصوب) وهو النزول الّذي له وقع وتأثير يطلق على المطر وعلى السحاب." [1] ، وهو كذلك في المعجمات اللغويّة [2] . ثمّ علّلَ المدّ في (صيِّب) باستدعاء الموقف ذلك، إذ قال:"وأمَدّ به ما فيه من المبالغات من جهة مادّته الأولى، التي هي الصاد المستعلية والياء المشددة والباء الشديدة ومادّته الثانية، أعني (الصوب) المنبئ عن شدّة ... الانسكاب." [3]

ومن هذا النصّ يتبيّن أنّ أبا السعود قد التفت إلى صفات الأصوات الّتي تؤلّف منها اللفظة ودلالتها مجتمعة، وقد عبّرَت عن الشدّة والمبالغة، إذ إنّ صوت (الياء) هو صوت متوسّط بين الأصوات الشديدة والرخوة [4] ولمّا شُدّد أصبح صوتًا مدّيًّا.

و (الصاد) صوت مطبق (مفخّم) ومستعلٍ، و (الباء) صوت شديدٌ يهتزّ الوتران الصوتيّان بنطقه، ويندفع الهواء فجأةً من الفم إلى الخارج محدثًا صوتًا انفجاريًّا. وقد نعته المحدثون بذلك؛ لسماع دويّ وانفجار عند نطقه [5] .

وقد نبّه أبو السعودِ على هذا الإيحاء الصوتي في شدة انسكاب المطر. وقد أوحاه كلٌّ من صوت الصاد والباء، فضلًا عن التشديد في الياء الصائتة.

ومن ذلك لفظة (أولئك) في قوله تعالى عن أهل الجنّة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا.} (البقرة 201 ـ 202) ، إذ قال أبو السعود: إنّ لفظة (أولئك) "إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتّصافهم بما"

(1) إرشاد العقل السليم 1/ 52.

(2) ينظر: المقاييس في اللغة: 579 ـ 580 (صوب) .

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 52 ـ 53.

(4) سرّ صناعة الإعراب: ابن جنّيّ 2/ 361.

(5) ينظر: الأصوات اللغوية: 20، وعلم اللغة مقدمة للقارىء العربي:92 ـ 93، وينظر: فقه اللغة

العربية 441 ـ 442.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت