: فعلَ الوسوسةَ لأجلهما، أو تكلّمَ لهما كلامًا خفيًّا متداركًا متكرِّرًا، وهي في الأصلِ: الصوت الخفيّ، كالهينمة، والخشخشة. ومنه وسوسة الحلي." [1] فكأنّه أراد أنّ ما في صوت السين من الخفاء والهمس قد ساعد على إدراك هذه الوسوسة الخفية المتكررة، الصادرة من إبليس (لعنه الله) لأبوينا آدم وحوّاء (عليهما السلام) . والهمس هو الصوت الخفيّ [2] ، وهو من صفات (السين) يتم النطق به من دون فتح الفم. [3] وقد ورد صوت (السين) في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، جاءت في سياقٍ يتبيّنُ فيه معنى الخفاء أو فيه حديثٌ عن حالات نفسيّة خفيّة، وفيها همس وهدوء، كما في قوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا.} [4] ومن ذلك لفظة (حسيسها) في قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وهم في ما اشتهت انفسهم خالدون.} (الانبياء 102) وقد تعرّض أبو السعودِ إلى هذه اللفظة، قائلًا:"الحسيس صوت يحُسُّ، أي لا يسمعون صوتها سمعًا ضعيفًا، كما هو المعهود عند كون المصوِّت بعيدًا، وإن كان صوته في غاية الشدّة، لا أنّهم يسمعون صوتها الخفيّ في نفسه فقط." [5] وكأنّه تنبّه إلى إيحائيّة السين الدالّة على الخفاء، فأهل الجنّة لا يسمعون ـ بإرادة الله، عزَّ وعلا ـ من صوت زفير جهنّم شيئًا، حتّى الحسيس من صوتِها لا يسمعونه، وهو الصوت الخفيُّ الّذي لا يحسُ به، إنّما هو من خفايا النفس. وقد أشار ابن جنّي إلى ذلك حين قال:"فجعلوا الصاد لقوّتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالَجة المتجشَّمة، وجعلوا السين لضعفِها فيما تعرفه النفس، وإن لم ترَه العين." [6] فصوت السين هنا قد تناسب وطبيعةَ الموقف، وساعدَ على تجلية المعنى."
ومثلما كان للأصوات الصامتة دلالة إيحائيّة معنويّة، تنبّهَ عليها أبو السعودِ، كان للصوائت إيحاء بمعنى معيّن كذلك. وقد أشار إليه أبو السعود في أثناء تفسيره
للألفاظ، وإن لم ينصَّ على ذلك بالعبارة الصريحة.
(1) إرشاد العقل السليم 3/ 220.
(2) ينظر: لسان العرب 6/ 250 (همس) ، وينظر: أبحاث في أصوات العربية: حسام النعيمي 116.
(3) علم اللغة مقدمة للقارىء العربي 192، والاصوات اللغوية 76.
(4) طه: من الآية 108.
(5) إرشاد العقل السليم 6/ 87.
(6) الخصائص 2/ 161.