ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} (يوسف:90) فقد فرّق أبو السعود بطريق التنغيم بين أسلوبين لغويّين في الآية، هما: الاستفهاميّ التقريريّ، والخبريّ، إذ قال:"استفهام تقرير، ولذلك أكّدوه بـ (إنّ) و (اللام) قالوه استغرابًا وتعجّبًا، وقرئ (إنّك) بالإيجاب، قيل: عرفوه بروائه وشمائله حين كلّمهم به، وقيل: تبسّم فعرفوه بثناياه، وقيل رفع التاج عن رأسه، فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء، وكان لسارة ويعقوب مثلها، وقرئ: (أئنّك) أو (أنت يوسف) على معنى: أئنّك يوسف، أو أنت يوسف، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وفيه زيادة استغراب." [1] فهو في الأسلوب الخبريّ رأى أنّ في القرينة الحاليّة دليلًا عاضدًا للتنغيم الدالّ على معنى الاستغراب.
وهذا ما ذكره طائفة من المفسّرين [2] ، ورجّحوا حمل المعنى على الاستفهام، لخروجه على وجه التعجّب والاستغراب، فضلًا عن أنّ التعبير في الآية جاء حكاية لما قاله أخوة يوسف (عليه السلام) حين قال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه، فردّوا حينئذٍ عليه بقولهم: {أئنّك لأنت يوسف} إذ إنّهم"تنبّهوا واستيقظوا غير أنّهم لم يقطعوا به فاستفهموه." [3]
وعلى الرغم من أنّ القرائن الحاليّة الّتي ذكرها أبو السعود قد تؤثّر في تغيّر المعاني وأنّها من الوسائل المتّبعة في بيان المعنى وتوجيهه، إلاّ أنّ أثر التنغيم الصوتيّ في التوجيه الدلاليّ، لا سيّما أكثر دلالة على إظهار المعنى المراد وتحديده، على ألاّ ينكر ما لهذه القرائن من أثر في ذلك.
ومن المعلوم أنّ التنغيم الصوتيّ في هذه الآية هو المحدّد لما قصده أخوة النبيّ يوسف (عليه السلام) ، وذلك من خلال أنّ درجة النغمة في الاستفهام، تكون عالية أو صاعدة، ثمّ تأخذ بالنزول إلى المستوية، على حين هي في الخبر مستوية ثم تهبط؛ لنطقها على وجه التقرير، والشكل الآتي يوضّح ذلك:
(1) إرشاد العقل السليم 4/ 304.
(2) ينظر: جامع البيان 13/ 55، والتبيان في تفسير القرآن 6/ 188، ومجمع البيان 3/ 259،
والجامع لأحكام القرآن 9/ 256، وتفسير القرآن العظيم 2/ 490، وروح المعاني 13/ 48،
والميزان في تفسير القرآن 11/ 260.
(3) التبيان في تفسير القرآن 6/ 188.