الصفحة 56 من 371

ج ـ دلالة التعجّب:

وذلك في وقوفه عند قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ.} (غافر:41) إذ قال أبو السعود:"ومدار التعجّب الّذي يلوح به استفهام دعوتهم إيّاه إلى النار ودعوته إيّاهم إلى النجاة، كأنّه قيل: أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير، وتدعونني إلى الشرّ." [1]

فقد خرج الاستفهام هنا عن المعنى الحقيقيّ له إلى معنى التعجب، وقد ساعد على إظهار هذا المعنى استصحاب الاستفهام نغمة صاعدة توحي بدهشة واستغراب ذلك المؤمن ـ من بني إسرائيل ـ من عمل قومه من الكفرة الّذين يدعونه إلى أعمال أهل النار، ومعصية النبيّ موسى (عليه السلام) ، وهو يبغي إنقاذهم منها، فتكون طريقة النطق بهذا كمن يقول لرجل: (ما لي أراك حزينًا) ، فكأنّه يرغب بمعرفة الشيء الّذي دعاه إلى هذا الحزن، والمعنى في الآية على وفق ذلك، أي: أخبروني عنكم كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار [2] .

ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.} (مريم:46) إذ قال أبو السعود: إنّ المعنى"أمعرض ومنصرف أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجّب، كأنّ الرغبة عنها ممّا لا يصدر عن العاقل فضلًا عن ترغيب الغير عنها." [3] والرغبة عن الشيء هي الابتعاد عنه، وزهده فيه، وهي نقيض الرغبة فيه [4] ، وقد دلّ أسلوب الاستفهام هنا على دلالتي الإنكار والتعجب، وقد أشار إليهما أبو السعود، هو مدرك بأنّ لكلّ منهما خاصّيّة نطقيّة تتميّز بها عن غيرها بشكل يستشعر به من خلال النغمات الصاعدة مع التعجّب؛ لاعتقاد (آزر) والد النبيّ إبراهيم (عليه السلام) أنّ إعراض ولده وإزهاده الآلهة أمر

(1) إرشاد العقل السليم 7/ 277.

(2) ينظر: جامع البيان 24/ 68، ومجمع البيان 4/ 525.

(3) إرشاد العقل السليم 5/ 268.

(4) المعجم الوسيط 1/ 356 (رغب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت