الصفحة 53 من 371

وأنّ المراد من ذلك"أي لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم تزعمون في"

الدنيا." [1] ثمّ بيّن أنّ"تأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت؛ لأنّه وقت تنجّز العذاب وشدّة الحاجة إلى النصرة، وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلّيّة، فالتوبيخ والتقريع حينئذٍ أشدّ وقعًا وتأثيرًا." [2] وذلك عند إيراد السؤال بعد الحساب، وحين الأمر بهم إلى"

النار، وبعد تحقّق ما يقتضي التناصر، ولا ناصر لهم [3] حينئذ.

وقد ذهب إلى مثل ذلك طائفة من المفسّرين قبله [4] ، وبعده [5] ، ومنهم [6] من قال إنّها على وجه التبكيت، وهو بمعنى التقريع والتوبيخ [7] ، وقد ساعد على هذا التعدّد في المعاني المصاحبة لأسلوب الاستفهام نوع النغمة في نطق الآية، وفي ذلك يقول أحد الباحثين: إنّ"هذا التعدّد دليل على ما نريد أن نؤكّده من أنّ المعنى الّذي يفيده الاستفهام خفيّ وسائح ومتفلّت، وإنّنا نحاول السيطرة عليه بمثل هذه الأوصاف الكثيرة الناقصة الّتي توهم أنها تحيط به، ولكنّها لا تستخرج منه إلا بعض إشارات، أو لا تصف منه إلاّ ما كان يظهر، وترى ذلك كثيرًا في الأساليب الثريّة والسياقات ... الحيّة." [8] فدرجة الصوت في نغمة الاستفهام عادة ما تكون صاعدة، ثمّ تهبط بالتدريج حتّى تصل إلى أدنى مستوى منها، وهي (الهابطة) [9] ، وقد تتغيّر هذه الدرجة النغميّة عند خروج الاستفهام عن معناه الحقيقيّ إلى معانٍ أخر، وفي هذه الآية دلّ الاستفهام على معانٍ كثيرة، هي: التقريع، والتوبيخ، والتهكّم، والتبكيت، فهي صاعدة أو عالية في التقريع و التوبيخ؛ وذلك

(1) إرشاد العقل السليم 7/ 188.

(2) إرشاد العقل السليم 7/ 188.

(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: الآلوسيّ 23/ 80.

(4) ينظر: جواهر الحسان في تفسير القرآن: الثعالبيّ 4/ 15، والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون

الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشريّ 4/ 42، والجامع لأحكام القرآن: القرطبيّ 15/ 74، ...

وتفسير القرآن العظيم: ابن كثير 4/ 5.

(5) ينظر: روح المعاني 23/ 80.

(6) ينظر: التبيان في تفسير القرآن: الطوسيّ 8/ 490، ومجمع البيان في تفسير القرآن: الطبرسيّ

(7) لسان العرب 2/ 11 (بكت) .

(8) دلالات التراكيب: محمّد أبو موسى 218.

(9) ينظر: التشكيل الصوتيّ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت