والحركات أصوات صائتة قصيرة، والفرق بينها وبين الصوائت الطويلة (الألف، والواو، والياء) يكون في الكمية الصوتية لا في النوعية [1] .
وقد أدرك ابن جني الوظيفة الدلالية للصوائت القصيرة وأهميتها في بيان الفروق الدلالية بين الألفاظ، وماز بين دلالات اللفظة الواحدة عند اختلاف حركاتها، إذ يقول:"الذِّل في الدابة: ضدّ الصعوبة، والذُّل للإنسان، وهو ضدّ العزّ، وكأنّهم اختاروا للفصلِ بينّهما الضمّة للأنسان والكسرة للدابّة؛ لأنّ ما يلحق الإنسان أكبر قدرًا ممّا يلحق الدابة، واختاروا الضمّة لقوّتها للإنسانِ، والكسرة لضعفها للدابّة." [2]
وقد اتّفقت نظرة الدراسات اللغوية الحديثة مع آراء القدماء في قدرة الحركات على توجيه معاني الألفاظِ على وفق ما يريده المتكلم، فيقول الدكتور عبد الصبور شاهين:"ولعلّ أفضل ما يصوّر علاقة الصوامت بالحركات في بنية الكلمة أن نقول: إنّ الصوامت ـ وهي مادّة الكلمة الثابتة تحمل المعنى الأصلي، الّذي تدل عليها"
بمجموعها، وأنّ الحركات تشخص المعنى، حين تبرزه في وضع معيّن، فهي الّتي تستقلّ بتوجيه الدلالة إلى حيث يريد المتكلم." [3] "
ولم يغفل أبو السعودِ عن ذلك، إنّما تنبّهَ إليه من خلال وقفاته عند الأيات المتضمنة ألفاظا مختلفة في حركاتها، ثم بيانه معنى كل منها.
ومن ذلك وقفته عند لفظة (عدل) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ.} (المائدة: من الآية 95) إذ ذكر أبو السعود أنّ المعنى"كأنّه قيل: فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم، أو طعام مساكين، أو صيام أيّام بعددهم." [4] ثم ذكر قراءة أخرى لهذه اللفظة بكسر العين، وهي (عِدْل) [5] ، منبها على الفرق الدلاليّ بين القراءتين في حالتي كسر (العين) وفتحه، إذ
(1) فقه اللغة العربية: 437.
(2) المحتسب 2/ 18.
(3) المنهج الصوتي للبنية العربية 44 ـ 45.
(4) إرشاد العقل السليم 3/ 81.
(5) مختصر في شواذ القراءات 35.