الصفحة 336 من 371

وقد وقف أبو السعود عند صيغة التعجّب (أفعل به) مفسّرًا ومحلّلًا، ومشيرًا إلى دلالتها، وأثرها في بيان المعنى المراد، ففي قوله تعالى: {وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.} (الكهف: من الآية26) ذكر أنّه"دلّ بصيغة التعجّب على أنّ شأن علمه سبحانه بالمبصرات والمسموعات خارج عمّا عليه إدراك المدركين، لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفيّ والجليّ، و (الهاء) ضمير الجلالة ... والباء مزيدة ... وكان أصله (أبصّرَ) أي: صار ذا بصر، ثمّ نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء." [1]

فهو هنا يميّز بين الخبر والإنشاء، وهو مدرك أنّ الأصل في

فعل التعجّب (أبصِر له) الإخبار ثمّ انتقل إلى صيغة الأمر، فصار لفظه

لفظ الأمر، ومعناه الإخبار، ثمّ أدخلت عليه (الباء) المزيدة، فأصبح من صيغ التعجّب ودالاّ عليه [2] . وقد قال ابن السرّاج (ت 316 هـ) :

"إنّما لزم فعل التعجّب لفظًا واحدًا، ولم يصرف ليدلّ على التعجّب، ولولا"

ذلك لكان كسائر الأخبار؛ لأنّه خبر ... . قال الله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ

وَأَبْصِرْ. [3] وإنّما المعنى: ما أسمعهم وأبصرهم، وما أكرمه، ولست تأمرهم أن يصنعوا به شيئًا." [4] "

وممّا أفاد التعجّب ووقف أبو السعود عنده لفظة (سبحان) الواردة في قوله

تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ.} (الزخرف:13) إذ أشار إلى أنّ (سبحان) دلّ على التعجّب [5] ، مستدلًا بما روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (( أنّه كان إذا

(1) ارشاد العقل السليم 5/ 218.

(2) المقتصد في شرح الايضاح 1/ 377.

(3) مريم 38.

(4) الاصول في النحو 1/ 114 ـ 118.

(5) ارشاد العقل السليم 8/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت