الصفحة 275 من 371

ثمّ ذكرنا فائدة (لو) في الآية الآنفة الذكر، وهي دلالتها الأصليّة، أي: (حرف امتناع لامتناع) إذ قال:"والآية الكريمة واردة على الاستعمال الشائع، مفيدة لكمال فظاعة حالهم، وغاية هول ما دهمهم من المشاقّ، وأنّها قد بلغت من الشدّة إلى حيث لو تعلّقت مشيئة الله تعالى بإزالة مشاعرهم لزالت لتحقّق ما يقتضيه اقتضاء تامًّا." [1] وهذا يعني أنّ الشرط في الآية أفاد المبالغة والتعظيم لقدرة الله ـ عزّ وجلّ ـ وذلك ببيان قدرته سبحانه في أنّه لو اقتضت مشيئته بإذهاب سمع هؤلاء المنافقين والكفّار عند سماعهم ذلك الصوت الهائل الناتج عن وقوع الصواعق، وسلبهم أبصارهم لشدّة البرق وإحاطته بهم، فهو قادر على ذلك، إذ إنّ في ذلك"وعيدًا من الله لهم، كما توعّدهم في الآية الّتي قبلها بقوله: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ.} [2] واصفًا بذلك جلّ ذكره نفسه أنّه المقتدر عليهم، وعلى جمعهم، لإحلال سخطه بهم، وإنزال نقمته عليهم ... ليتّقوا بأسه، ويسارعوا إليه بالتوبة." [3]

ثمّ أشار أبو السعود إلى أنّ السياق اللفظيّ المتأخّر من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.} (البقرة: من الآية20) هو تعليل للجملة"الشرطيّة وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم." [4] وأراد بقوله:"مشاعرهم"حواسّهم من (السمع، والبصر) وغير ذلك.

وقد ساعد ـ أيضًا ـ على إظهار هذا المعنى ما جاء في السياق المتقدّم [5] من قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.} (البقرة: 19ـ20) فهذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين الّذين اشتروا الضلالة

(1) إرشاد العقل السليم 1/ 55.

(2) البقرة 19.

(3) جامع البيان 1/ 159.

(4) إرشاد العقل السليم 1/ 57.

(5) ينظر: جامع البيان 1/ 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت