في صدر الجملة، إنّما في وظيفة تركيب الجملة وما يؤدّيه هذا التركيب
من معنى وظيفيّ، فهي ذات طبيعة خاصّة مختلفة عن كلّ من الجملة الاسميّة
والفعليّة.
والحقّ أن الجملة الشرطيّة لها خصوصيّة تركيبيّة دلاليّة، تتميّز بها عن الجملة الفعليّة، إذ إنّ الجملة الشرطيّة تستند في دلالتها إلى"ما يؤدّيه تعلّق حكم الجزاء بالحكم الّذي تفيده جملة الشرط، أعني أنّ الدلالة لا تظهر من علاقة الفعل بالمسند إليه أو علاقة المبنيّ بالمبني عليه، وإنّما هي علاقة جملة بجملة أخرى، فإنّ دلالة هذه الجملة مكتسبة إذن من طبيعة تركيبها." [1]
وفد تعرّض أبو السعود إلى الجملة الشرطيّة محاولًا تفسيرها وبيان مكوّناتها
ومضمونها، وغاياتها الدلاليّة بشكل يستدلّ منه أنّه رآها جملة قائمة بنفسها، وهو في ذلك كان متابعًا لأبي عليّ الفارسيّ.
وممّا توقّف عنده من الشرط في الآيات القرآنيّة، مشيرًا إلى الغاية منه، ما يأتي:
1 ـ المبالغة:
ومن ذلك قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ... قَدِيرٌ.} (البقرة:20) فقد بيّن أبو السعود دلالة أداة الشرط (لو) وأثرها في الجملة الشرطيّة، إذ قال: إنّ"كلمة (لو) لتعليق حصول أمر ماضٍ هو الجزاء بحصول أمر مفروض فيه هو الشرط لما بينهما من الدوران حقيقة أو ادّعاء، ومن مفروضيّة الشرط دلالتها على انتفائه قطعًا ... ثمّ إنّه قد يساق الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط ... وهو الاستعمال الشائع لكلمة (لو) ؛ ولذلك قيل: هي امتناع الثاني لامتناع الأوّل." [2] وكأنّه أراد القول بأنّ الجملة الشرطيّ' متكوّنة من ثلاثة أركان هي: أداة الشرط، وجملتا الشرط والجزاء، وأنّ تحقّق الجزاء أمر متعلّق بتحقّق الشرط، فلا يقع إلاّ بوقوع الشرط.
(1) البحث النحويّ عند الأصوليّين 183.
(2) إرشاد العقل السليم 1/ 54.