بالهدى، وقد اتّضح ذلك في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ.} (البقرة:16ـ 17)
2 ـ تفسير المبهم وتقصيل المجمل:
ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.} (الأعراف:176) فقد بيّن أبو السعود أنّ المعنى في جملة الشرط هو أنّ"حاله الّتي هي مثل في السوء، كصفته في أرذل أحواله، وهي حالة دوام اللهث به في حالتي التعب والراحة، فكأنّه قيل: فتردى إلى ما لا غاية وراءه في الخسّة والدناءة." [1]
ثمّ ذكر الفائدة من مجيء جملة الشرط في الآية، وهي"تفسير لما أبهم في المثل، وتفصيل لما أجمل فيه، وتوضيح للتمثيل ببيان وجه الشبه." [2] ورأى أنّ"الخطاب في فعل الشرط لكلّ أحد ممّن له حظّ من الخطاب، فإنّه أدخل في إشاعة فظاعة"
حالة." [3] فكأنّه قصد أنّ فعل الشرط (تحمل) في الآية جاء على صبغة المضارع؛ ليفيد الاستمرار في الزمن، أي لم يتحدّد في زمن معيّن، وقد دلّت صيغة (إن يفعل) هنا على زمن عامّ، يستمرّ من الماضي إلى المستقبل [4] ؛ أنّ الآية نزلت في"مقام توبيخ اليهود بهناتهم." [5] وصُوِّر ذلك بمثل ضربه الله سبحانه وتعالى؛ ليشمل الكافر من بني آدم جميعهم في الماضي والحاضر والمستقبل؛ ولذا وصفه أبو السعود"
(1) إرشاد العقل السليم 3/ 293.
(2) إرشاد العقل السليم 3/ 293.
(3) إرشاد العقل السليم 3/ 293.
(4) إرشاد العقل السليم 3/ 293.
(5) الزمن في القرآن الكريم دراسة دلاليّة للأفعال: بكري عبد الكريم 246.