عن الشيء الحاضر قصدًا لإحضاره في الذهن حتّى كأنّه مُشاهَد حالة الإخبار." [1] وقد وصفه علماء اللغة المحدثون بـ (الحاضر التأريخيّ) يقول فندريس: إنّ"الماضي يمكن أن يعبّر عنه بالحاضر، وهو استعمال شائع في الحكاية حيث يسمّى بالحاضر التأريخيّ، وفيه يجد المثقّفون سحرًا خاصًّا، يقولون بأنّ الحاضر أكثر تعبيرًا، أو أبلغ وصفًا حتّى ليجعل المنظر يحيا من جديد أمام عيني القارئ، ويرجع بفكرنا إلى اللحظة الّتي دار فيها الحدث." [2] "
وفي ذلك ما فيه من تقريب للحدث في الزمن الحاضر، وبيان للمعنى
المراد إيصاله إلى ذهن السامع، وهو بيان سرعة اللقف، فيكون التقدير:
أوحينا إلى موسى أن ألق عصاك، فألقاها، فإذا هي حيّة، وإذا هي تلقف ما يأفكون [3] وهو ما أشار إليه أبو السعود حين وصف صورة اللقف بـ"الهائلة"
أي: قوّة سرعتها.
وعليه أفاد الفعل (تلقف) ـ أيضًا ـ دلالة السرعة في الحدث، وذلك بعضد القرائن السياقيّة في الآية، لا سيّما سبقِه بـ (إذا) الشرطيّة الدالّة على السرعة المفاجئة , وبمثل ذلك قال طائفة من المفسّرين [4] .
ومن ذلك قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.} (الأنفال:9) فقد ذكر أبو السعود أنّ فعل (الاستغاثة) جاء على"صيغة الاستقبال في (تستغيثون) لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة." [5]
ويستشفّ من كلامه أمران، هما: استعمال صيغة المضارع للدلالة على الحال
الماضية؛ لغرض استحضار صورتها في الأذهان، وأنّ هذا الاستعمال لم يكن اعتباطًا، إنّما يرد ـ في الغالب ـ عندما يكون الحديث في حكاية حدث ذي أهمّيّة تستدعي هذا الاستعمال، وهو ما يفهم من نعته لصورة الحال الماضية بصفة
(1) مغني اللبيب 2/ 905 ـ 906.
(2) اللغة 138.
(3) الميزان في تفسير القرآن 9/ 216.
(4) ينظر: جامع البيان 13/ 55، وروح المعاني 9/ 25.
(5) إرشاد العقل السليم 4/ 7.