)أفادت المبالغة في تشويق المؤمنين إلى رؤية ذلك الأجر العظيم الّذي ينتظرهم بأنّ لهم تحيّة من الله سبحانه وملائكته، وترغيب لغيرهم كي يسلكوا طريق المؤمنين للوصول إلى مثل هذا الجزاء الكبير.
ويبدو أنّ أبا السعود قصد من قوله"للمبالغة في الترغيب والتشويق."أنّ هذا الأجر معدٌّ للمؤمنين منذ زمن سحيق، ربّما يكون قبل خلقهم، أي: منذ بدء الخليقة، وقد دلّ على ذلك زمن الفعل الماضي (أعدّ) ، وما يتبيّن ـ كذلك ـ من كلامه
"أنّ الأجر ... موجود بالفعل مهيّأ لهم."أي: إنّه أمر محقّق واقع لا محالة، وكأنّ المؤمنين"يقول بعضهم لبعض: أمنة لنا ولكم بدخولنا هذا المدخل من الله أن يعذّبنا بالنار أبدًا." [1] وإلاّ ليس في إيراد الفعل (أعدّ) ما يدلّ على المبالغة، بل هو للتحقّق في الوقوع.
5 ـ حكاية الحال الماضية واستحضار صورتها:
وممّا تفيده الجملة الفعليّة استحضار صورة الماضي، ويكون ذلك عند التعبير عن الحدث الماضي بالفعل المضارع، أي أن"يُقدَّر القول الماضي واقعًا في الحال، أي: في زمن التكلّم لاستحضار صورته." [2] وقد تنبّه أبو السعود إلى هذا في تفسيره، من ذلك ما ذكره في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ.} (الأعراف:117) فقد علّل إيراد الفعل (تلقف) على صيغة المضارع في الآية بـ"استحضار صورة اللقف الهائلة." [3] فالفعل (تلقف) عُبِّر به عن حدث مضى وانتهى من زمن بعيد، وممّا يؤكّد دلالته على الماضي وروده في سياق ذكر أخبار الأنبياء والرسل [4] ، وهذا الفعل أفاد استحضار صورة هذا الحدث في ذهن السامع؛ لتكون قريبة من ذهنه، فيشعر بها ويحسّها كأنّها حيّة ماثلة أمام عينيه في الوقت الحاضر، وهذا ما أشار إليه ابن هشام حين قال:"إنّهم يعبّرون عن الماضي والآتي، كما يعبّرون"
(1) جامع البيان 22/ 17.
(2) حاشية الصبان 3/ 299.
(3) إرشاد العقل السليم 3/ 260.
(4) ينظر: الزمن في القرآن الكريم دراسة دلاليّة للأفعال الواردة فيه: بكري عبد الكريم 102 ـ 107.