الصفحة 270 من 371

الفعليّ' في الاية المتمثّلة في الفعل الماضي (آمنوا) الّتي وقعت صلة للاسم الموصول (الّذين) دالّة على تحقّق الإيمان في نفوسهم وقلوبهم، وقد جاء الفعل الماضي (أمنوا) لأجل هذه الدلالة، إذ قال:"وإيثار صيغة الماضي في الصلة الأولى للدلالة على التحقّق." [1] لأنّ الفعل الماضي يدلّ على انقضاء الحدث ومضيّه، وقد ساعد على إظهار هذا المعنى ـ أيضًا ـ الاسم الموصول (الّذين) ، فقد دلّ على أنّ إيمانهم أمر معهود ومعروف، إذ إنّ"الموصول قد يراد به معهود، فتكون صلة معهودة." [2] وإيمانهم معلوم وأمر محقّق، وقد دلّ على ذلك السياق المتقدّم في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.} (النحل:97) فضلًا عن أنّ الآية وردت في"مقام التعليل للأمر الوارد." [3] في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.} (النحل:98) أي: استعذ بالله حين القراءة؛ ليعيذك منه؛ لأنّه ليس له سلطان على من آمَنَ بالله وتوكَّل عليه، وهم قد أمنوا وتوكّلوا عليه سبحانه، إذ إنّ الاستعاذة بالله توكّل عليه، وقد بدّل سبحانه"الاستعاذة في التعليل من التوكّل، ونفى سلطانه عن المتوكّلين." [4]

3 ـ المبالغة:

ومن ذلك قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا.} (الأحزاب:44) إذ رأى أبو السعود أنّ"إيثار الجملة الفعليّة على الاسميّة المناسبة لما قبلها ـ بأن يقال مثلًا: وأجرهم أجر كريم، أو: ولهم أجر كريم ـ للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود ببيان أنّ الأجر الّذي هو المقصد الأقصى من بين سائر آثار الرحمة موجود بالفعل مهيّأ لهم." [5] والمعنى ـ على ما رآه أبو السعود ـ أنّ الجملة الفعليّة في (أعدّ لهم

(1) الزمن واللغة: مالك المطّلبي 342.

(2) همع الهوامع 2/ 279.

(3) الميزان في تفسير القرآن 14/ 344.

(4) الميزان في تفسير القرآن 14/ 344.

(5) ارشاد العقل السليم 7/ 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت