قرائن دالّة عليه، كوسائل التأكيد (إنّ، واللام) اللّتين يؤتى بهما في حالات الإنكار الشديد لوقوع الخبر الّذي هو (قرب إتيان العقاب) ، وهذا ما سمّاه البلاغيّون [1] بـ (مراعاة مقتضى الظاهر) ، أي: حال المخاطب، وعليه يكون ورود المسند على صيغة اسم الفاعل أبلغ ممّا هو على صيغة الفعل، وقد دلّت الجملة الاسميّة في (وما أنتم بمعجزين) على ثبات دوام عدم قدرتهم على منع العذاب، واستمرار انعدام هذه القدرة، فدلالة الثبوت والدوام في الجملة الاسميّة هنا لنفي القدرة عنهم، وليس لنفي دوام عجزهم وقدرتهم.
2 ـ السرعة:
ومن ذلك قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ.} (الأنبياء:18) ذكر أبو السعود أنّ المعنى (زاهق) "ذاهب بالكلّيّة"ثمّ قال: إنّ في" (إذا) الفجائيّة والجملة الاسميّة من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل." [2] ومن قوله:"فكأنّه زاهق من الأصل."أي إنّ الباطل زاهق على الدوام، وهو هالك وذاهب [3] ، لا ثبوت فيه ولا استقرار له، من الأصل، فهو لم يكن كالحقّ حيٌّ، وإن اختفى لزمن معيّن، فلا بدّ من ظهوره ثانية وعلوّ شأنه، فهو دائم على عكس (الباطل) الّذي وُجِدَ زائلًا هالكًا من أوّل أمره، ويمكن الإشارة إلى أنّ (زاهق) جاءت على صيغة اسم الفاعل الدالّ على الثبوت ممّا عضد دلالة الاستقرار والثبوت في صفة الزوال والهلاك للباطل. ويبدو أنّ أبا السعود استنبط دلالة السرعة في حدث البطلان أو الزوال للباطل من خلال وجود (إذا) الفجائيّة، ولم يرد أنّ الجملة الاسميّة في ذاتها دالّة على السرعة في ذهاب الباطل وإزهاقة، إنّما دلّت على ذلك بمصاحبتها هذه الأداة الدالّة على هذا المعنى
(1) ينظر: مفتاح العلوم: السكاكي 81 ـ 82، والإيضاح في علوم البلاغة 38 ـ 45، والمعاني
الثانية في الأسلوب القرآنيّ: فتحي أحمد عامر 93، وعلم المعاني تأصيل وتقييم: حسن طبل
48 ـ 49.
(2) إرشاد العقل السليم 4/ 75.
(3) جامع البيان 17/ 16 ـ 17.