الصفحة 26 من 371

والاصطلاح العرفيّ فيما ذهب إليه من آراء حول العلاقة بين الدالّ ومدلوله، الّتي تقوم على الاعتباطيّة وفق هذا الاتّجاه، ويراد بالاعتباطيّة نفي وجود صلة طبيعيّة بين اللفظ ومعناه. وقد قام سوسير بجمع مصطلحي الدالّ والمدلول تحت مسمّى واحد هو (الدليل اللسانيّ) ، وعدّهما وجهين لشيء واحد لا يمكن أن يفصل بعضهما عن بعض، وجعل (الدال) مادة صوتيّة، و (المدلول) نفسيّا وذلك بحصول الصورة في الذهن، مؤكّدًا أنّ الدالّ لا يستمدّ معناه وقيمته الدلاليّة من بنيته [1] .

وقد ميّز أبو السعود بين هذين المصطلحين، وفصل بينهما في معظم تفسيره الألفاظ القرآنيّة، إلاّ أنّه أطلق عليهما تسمية (المشار والمشار إليه) أو (الاسم والمسمّى) وهو في ذلك يتابع من سبقه من علماء التفسير، إذ قال في تفسيره

آية (2) من سورة البقرة:"ذلك: ذا: اسم إشارة. واللام عماد جيء به للدلالة على بعد المشار إليه ... والمشار إليه هو المسمّى، فإنّه منزّل منزلة المشاهد بالحسّ البصريّ، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه." [2] فكلمة (ذلك) هي المشار أو الدالّ. و (المشار إليه) هو المدرك بالحواسّ، أي: الشيء الخارجيّ، وقد استلزم ذلك الفصل بينهما والتباعد في الإشارة من حيث إنّ الاسم أو المشار في مكان، والمشار إليه (الشيء الخارجيّ) في مكان آخر.

وممّا دلّ على فصله بين الدالّ والمدلول ـ أيضا ـ ما جاء في تفسيره قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ.} إذ قال:"الضمير للمسمّيات المدلول عليها بالأسماء" [3] .

وفي ذلك اتّفق أبو السعود مع مارآه ـ أغلب ـ العلماء العرب القدماء في الفصل بين (الاسم والمسمّى) ، الّذين احتجّوا على ذلك بأنّ الأوّل، أي (الاسم) وسم على الثاني، وعلامة عليه يُعرف به [4] ، واستدلّ بعضهم على ذلك بإضافة الاسم إلى مسمّاه، كما في

(1) علم اللغة العامّ 84، و 137، وينظر: مباحث في علم اللغة واللسانيّات: د. رشيد العبيديّ 183.

(2) إرشاد العقل السليم 1/ 23.

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 84.

(4) ينظر: الخصائص 3/ 26 ـ 34، وشرح المفصّل: ابن يعيش 3/ 542 ـ 543، وشرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: ابن عقيل 1/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت