أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدًّا لإدراك أنواع المدركات من
المعقولات والمحسوسات والمتخيّلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها." [1] "
وفي ما قاله إشارة إلى ما ذهب إليه علم اللغة الحديث، وقال به علماء اللغة المحدثون فيما بعد، منهم تشومسكي الّذي عدّ القدرة اللغويّة أساسًا في نظريّة النحو التوليديّ الّتي مفادها أنّ جهاز اللغة عند الإنسان مكيّف ليهيّئ الاستعداد لدى المتكلّم، إذ لا بدّ من أن يكون المتكلّم مزودًا بقواعد ذهنيّة تعمل على تحديد الأبعاد
الدلاليّة ـ لديه ـ للغة الّتي ينطق بها، فتمكّنه من إنتاج جمل وتراكيب غير متناهية لم يكن يتعلمّها من قبل. وهذه قدرة أوجدها الله لدى مخلوقه قبل ولادته ويتمّ الكشف عنها من خلال استمراريّة التعلّم والنطق [2] .
(ب) العلاقة بين اللفظ والمعنى، أو الدالّ والمدلول:
تقدّم أنّ قضيّة (اللفظ والمعنى) أو (الدالّ والمدلول) شغلت أذهان العلماء عمومًا، قديمًا وحديثًا لصلتها بنشأة اللغة وأصل الوضع، ولم تزل هذه القضيّة للبحث والتحليل والدراسة.
فعرفت هذه القضيّة لدى القدماء بـ (العلاقة بين الاسم والمسمّى) أو (المشار والمشار إليه) ، وقد تعرّض لها علماء البحث اللغويّ والإسلاميّ باهتمام كبير حتّى صارت جزءًا من المساجلات الفكريّة بين أصحاب مذهب الأشاعرة والمعتزلة، فقد ذهب المعتزلة إلى أنّ الاسم غير المسمّى، على حين رأى الأشاعرة أنّ الاسم عين المسمّى [3] .
وقد تناولها المحدثون بشكل أكثر اتّساعًا ذلك لارتباط هذه المسألة بتداعيات الفكر اللسانيّ الحديث [4] ، الّذي يعدّ الدالّ والمدلول ركيزتين من ركائزه الرئيسة، وأبرز مَن أثارهذه القضيّة العالم اللغويّ فردينان دي سوسير الّذي اتّفق مع الاتّجاه القائل بالمواضعة
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 84.
(2) جوانب من نظريّة النحو: تشومسكي 68، وينظر: ابن جنّيّ عالم العربيّة: د. حسام النعيميّ
164، والبحث الدّلاليّ في التبيان في تفسير القرآن: ابتهال كاصد الزيديّ 22 ..
(3) الاتجاه العقلي في التفسير: نصر حامد أبو زيد 83، وينظر: الدلالة القرآنيّة عند الشريف المرتضى: د. حامد كاظم عباس 82.
(4) ينظر: علم اللغة العامّ: فردينان دي سوسير 84 ـ 88، والتفكير اللسانيّ في الحضارة العربيّة: د. عبد السّلام المسدّيّ 107 ـ 114.