3 ـ الاتّجاه الطبيعيّ الذاتيّ: يقول أصحاب هذا الاتّجاه بوجود صلة بين الدالّ والمدلول، أي (مناسبة طبيعيّة) ، ومن هؤلاء عبّاد بن سليمان الصيمريّ (ت 250 هـ) [1] .
ومن عرض ما تقدّم يمكن الوقوف عند رأي أبي السعود، ومعرفة موقفه أو اتّجاهه في ما يخصّ نشأة اللغة أو العلاقة بين اللفظ ومعناه، ومدى اهتمامه بقضيّة الوضع، وبدءًا نشير إلى أنّ أمر التفات أبي السعود إلى هذه القضيّة طبيعيّ كونه واحدًا من أهل الأصول، وقد زخر تفسيره بالقضايا الفقهيّة والأصوليّة، وقضية الوضع هذه إحدى القضايا الّتي شغلت أذهان الأصوليّين، وحظيت بعنايتهم المتميّزة، لا سيّما أبو السعود.
فقد كان من القائلين بأنّ اللغة توقيف من الله تعالى، إذ قال:"... وأنّ التعليم يصحّ إطلاقه على الله تعالى، وإن لم يصحّ إطلاق المعلّم عليه؛ لاختصاصه عادة بمن يحترف به، وأنّ اللغات توقيفيّة، إذ الأسماء تدلّ على الألفاظ بخصوص أو بعموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلّم، مبيّنًا له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، وما هو إلاّ من الله تعالى ..." [2] وهو في ذلك ساير رأي أغلب أصحاب الكلام من الأشاعرة والمعتزلة الذين استدلّوا على ذلك بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة:31) وعدد من المفسّرين الّذين تأثّر بهم، ومنهم البيضاويّ الّذي فسّر آية تعليم آدم (عليه السلام) بأنّ الله تعالى خلق في آدم علمًا ضروريًّا بإسماعه إيّاها، أو إلقائها في روعه. [3]
غير أنّ أبا السعود في تفسيره الآية المذكورة آنفًا يؤكّد امتلاك الإنسان الاستعداد الفطريّ في تعلّم اللغة، إذ قال:"العلم بالألفاظ من حيث الدلالة على المعاني مسبوق بالعلم بها، والتعليم حقيقة عبارة عن فعل يترتّب عليه العلم بلا تخلّف عنه، ولا يحصل ذلك بمجرّد إضافة المعلّم، بل يتوقّف على استعداد المتعلّم لقبول الفيض وتلقّيه من جهته." [4] ثمّ أتبع ذلك بقوله:"فمعنى تعليمه تعالى إيّاه أن يخلق فيه إذ ذاك بموجب استعداده علمًا ضروريًّا تفصيليًّا بأسماء جميع المسمّيات وأحوالها ... وقيل ... خلقه من"
(1) المزهر في علوم اللغة وأنواعها 1/ 47.
(2) إرشاد العقل السليم 1/ 86 ـ 87.
(3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 284.
(4) إرشاد العقل السليم 1/ 84.