بعد بيان بطلان الباطل." [1] فهو يرى أنّ القراءة بنصب (البرّ) مبيّنة على أساس القواعد والضوابط النحويّة الّتي"
مفادها (أنّ الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة أو ما يقارب المعرفة من النكرات) [2] وقد أُخِّرَ اسم (ليس) ، وهو المصدر المؤوّل من (أن تولّوا) ؛ لأنّه"أعرف من المحلّى باللام ... والأعرف أحقّ بالاسميّة." [3] أمّا القراءة بالرفع، فعلى تقدير
المعنى:"ليس البرّ كلّه توليتكم" [4] أو ليس البرّ العظيم أمر القبلة، ولكنّ البرّ الّذي يجب العناية به برّ من آمن وقام بهذه الأعمال [5] ، وهو الوجه الّذي ذهب إليه طائفة من النحاة والمفسّرين [6] على حين أنّ هناك من استحسن لوجهين مثل أبي علي الفارسيّ الّذي علّل ذلك بقوله: إنّ"كلّ واحد من الاسمين اسم (ليس) وخبرها"
معرفة." [7] "
وما رآه أبو السعود من قوّة في هذا الوجه يستند إلى المعنى في الآية، الّذي ساعد على إظهاره وتقويته السياق الحاليّ المتمثّل في سبب النزول، وهو الخلاف بين اليهود والنصارى عند تحويل القبلة، إذ إنّ كلاّ منهما كان يرى أنّ البرّ في التولية للمشرق أو للمغرب، ولمّا كان كذلك، فلا بدّ أن يكون الترتيب الكلاميّ في الجواب ـ قيما يراه أبو السعود ـ بحسب ترتيب المعاني في أذهانهم، فكان (البرّ) اسمًا
لـ (ليس) ، مستدلاّ على ذلك بالقرينة اللفظيّة المتأخّرة في قوله تعالى:
{ولكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ.}
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 192.
(2) ينظر: الأصول لابن السرّاج 1/ 63، وهمع الهوامع 1/ 325.
(3) إرشاد العقل السليم 1/ 193.
(4) معاني القرآن وإعرابه 1/ 246.
(5) الكشّاف 1/ 243.
(6) ينظر: معاني القرآن للفرّاء 1/ 77، وجامع البيان 2/ 94، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 246،
وإعراب القرآن: النحّاس 1/ 90 ـ 91.
(7) الحجّة في علل القراءات السبع 2/ 206.