الصفحة 255 من 371

المعنى المراد في الآية، فضلًا عن أسلوب القصر في (إنّما كان) الّذي أعان على تثبيت قول المؤمنين وتأكيده [1] واستمراره وتجدّده في الامتثال لأوامر الله تعالى ورسوله. وعليه وفّق أبو السعود في اختياره القراءة بالرفع؛ لأنّ الأخذ بقراءة النصب يستدعي التوهّم بالإخبار عن خبر قد مضى، وهو (قول المؤمنين) ، وهذا ما لا يتناسب مع دلالة سياق الآية الّذي أظهره سياق الحال بمعونة قرائن أخر، كأسلوب القصر، وانحصار السمع والطاعة في قوله المؤمنين، وقد أشار الفرّاء إلى ذلك حين قال: ليس هذا بخبر ماضٍ يخبر عنه، إنّما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذ دُعوا أن يقولوا سمعنا، وهو أدب من الله." [2] "

وبذلك تخطّى أبو السعود في توجيهه معاني الألفاظ القرآنيّة وإعرابها

الحدود الشكليّة المتمثّلة في العلامات الإعرابيّة، فكانت نظرته إلى النحو قائمة على أساس فهم معانيه ونظمه داخل السياق.

ومثل ذلك ممّا احتمل وجهين إعرابيّين لفظة (البرّ) في قوله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ... } (البقرة: من الآية 177) فقد أورد أبو السعود وجهين [3] في إعراب (البرّ) ، أحدهما: بالنصب على أنّها خبر مقدّم لـ (ليس) ، والآخر: برفع (البرّ) في قراءة [4] على أنّها اسم لـ (ليس) . وقد رأى أبو السعود أنّ الوجه الثاني هو الأقوى مرتكزًا في ذلك على المعنى المراد في الآية، إذ قال:"وقرئ برفع (البرّ) على أنّه اسمها، وهو أقوى بحسب المعنى؛ لأنّ كلّ فريق يدّعي أنّ البرّ هذا، فيجب أن يكون الردّ موافقًا لدعواهم، وما ذلك إلاّ بكون (البرّ) اسمًا، كما يفصح عنه جعله مخبرًا عنه في الاستدراك بقوله عزّ وجلّ: {وَلكِنَّ الْبرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ.} [5] هو تحقيق للحقّ"

(1) ينظر: المحتسب 2/ 115 ـ 116.

(2) معاني القرآن 2/ 158، وينظر: جامع البيان 18/ 157.

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 192، 193.

(4) مختصر في شواذّ القراءات: ابن خالويه11، والحجّة في القراءات السبع 40.

(5) البقرة 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت