الصفحة 254 من 371

ومن كلامه هذا يتبيّن أنّ أبا السعود كان ممّن جعل الإعراب تابعًا للمعنى، فهو لم يؤثر الوجه الإعرابيّ المبنيّ على القراءة بالنصب على الرغم من اعترافه بخضوع هذا الإعراب للقاعدة النحويّة، وعدم خروجه عنها، والّتي مفادها أنّ (الأصل في

اسم (كان) أن يكون أعرف من خبرها) [1] ولفظة (قول) معرّفة بالإضافة، وهي أضعف المعارف تعريفًا ـ في نظر النحاة ـ وحكمها مقيّد بحكم المضاف إليه [2] ، أمّا المصدر المؤوّل من (أن يقولوا) فهو أعرف من الخبر المضاف (قول المؤمنين) على وفق ما وضع من أحكام ومقاييس، ولذا رأى طائفة من العلماء أنّ التوجيه الإعرابيّ في قراءة (قول) بالنصب هو الأنسب والأكثر انسجامًا مع الضوابط النحويّة، منهم الزمخشريّ [3] .

وقد نحا أبو السعود في تحليلاته هذه وتوجيهاته الإعرابيّة منحا دلاليًّا بحتًا مع عدم ابتعاده عمّا يراه النحويّون من ضوابط وأصول، فهو يرى أنّ قراءة الرفع في (قول) أدل وأثبت مرتكزًا في ذلك إلى ما في النصّ من قرائن دلاليّة تعيّن على فهم النصّ وتوجيهه الوجهة النحويّة المنسجمة ومعناه، فمن هذه القرائن السياق الحاليّ المتمثّل بسبب نزول الآية الّذي كان في مدار تأنيب من الله سبحانه لمن أعرض عن طاعته ـ عزّ وجلّ ـ ورسوله ممّن ادّعى الإيمان، وهم المنافقون الّذين ظهروا على

حقيقتهم أنّها غير مؤمنين، إذ لو لم يكونوا كذلك لكان إعراضهم إمّا لضعف إيمانهم أو لارتيابهم وشكّهم في حكم الله تعالى ورسوله، ووصف السياق في الآية الإيمان الحقيقيّ للمؤمنين، الّذي يقتصر على قولهم في: (سمعنا وأطعنا) في الامتثال لأمر الله ـ

عزّ وجلّ ـ بمثابة تأديب للمعرضين ولغيرهم [4] , وقد تنبّه أبو السعود على أنّ السياق ركّز على إعلامهم وإخبارهم بقول المؤمنين (سمعنا وأطعنا) ، وهو قول يختلف

عمّا صدر عن هؤلاء من الإعراض وعدم الامتثال، وأنّ به ـ أي

بالخير ـ تتحقّق الفائدة المبتغاة من النصب، وهو ما أقرّه النحاة [5] القدماء في قواعدهم، ولذا يرى أنّ إعراب (أن يقولوا) خبرًا على القراءة بالرفع أدلّ وأكثر دقّة في إظهار

(1) المحتسب 2/ 115.

(2) شرح المفصّل 5/ 87.

(3) الكشّاف 3/ 254.

(4) جامع البيان 18/ 156 ـ 157، والميزان في تفسير القرآن 18/ 146 ـ 148.

(5) ينظر: الأصول في النحو 1/ 67 ـ 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت