على هذا الوجه، وهو أنّ الجنّة أزلفَت للمتّقين إزلافًا أو دنوًّا غير بعيد، وهو المتبادر إلى الذهن عند سماع الآية، فـ (غير بعيد) لبيان نوع هذا القرب ووصفه، وهو مثلما تقول:"سرت طويلًا، أي: سيرًا طويلًا." [1] والأصل هو الأخذ بظاهر اللفظ إذ إنّه أولى من غيره.
3 ـ ما تحتمله اللفظة من الرفع والنصب:
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.} (النور:51) فقد أورد أبو السعود وجهين [2] في إعراب لفظة (قول) في الآية، أحدهما: بالنصب على أنّها خبر لـ (كان) ، والآخر: أنّها قرئت بالرفع [3] على أنّها اسم لـ (كان) .
ثمّ نبّه على ميزة كلّ من هذين الوجهين، مع ترجيح للوجه الّذي تابع
إعرابه معناه، وهو الوجه الثاني بالرفع مع أنّه رأى في الوجه الأوّل أنّه"أقوى صناعةً." [4] أي من حيث عدم الخروج من القواعد والمقاييس النحويّة الّتي وضعها النحاة، وقد تبيّن ذلك بقوله:"إنّ الأولى للاسميّة ما هو أوغل في التعريف، وذلك هو الفعل المصدّر بـ (أن) ، إذ لا سبيل إليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين، فإنّه يحتمل كما إذا اعتزلت عنه الإضافة، لكن قراءة الرفع أقعد بحسب المعنى، وأوفى لمقتضى المقام لما أنّ مصبّ الفائدة وموقع البيان في الجمل هو الخبر، فالأحقّ بالخبريّة ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث، وأوفر اشتمالًا على نسب خاصّة بعيدة من الوقوع في الخارج، وفي ذهن السامع، ولا ريب في أنّ ذلك ها هنا في (أن) مع ما في حيّزها أتمّ وأكمل، فإذن هو أحقّ بالخبريّة، وأمّا ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجماليّة، فحيث كانت قليلة الجدوى سهلة الحصول خارجًا وذهنًا، كان حقّها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنوانًا للموضوع، فالمعنى إنّما كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين." [5]
(1) مغني اللبيب 2/ 729.
(2) إرشاد العقل السليم 6/ 178.
(3) المحتسب 2/ 115، وهي قراءة للإمام عليّ (عليه السلام) ، وللحسن، وابن أبي إسحاق.
(4) إرشاد العقل السليم 6/ 187.
(5) إرشاد العقل السليم 6/ 187.