ومن ذلك قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ.} (ق:31) فقد ذكر أبو السعود وجهين في نصب (غير) ، إذ قال: (غير بعيد) تأكيد للأزلاف، أي
مكانًا غير بعيد، بحيث يشاهدونها، أو حال كونها غير بعيد، أي شيئًا غير
بعيد." [1] "
والإزلاف في اللغة يدلّ على اندفاع وتقدّم في قرب إلى شيء [2] وأزلفت: أي قُرَِبَت [3] . والمعنى"أدنيت الجنّة، وقُِّربت للّذين اتّقوا ربّهم." [4] و (غير) في توجيه أبي السعود في قوله:"تأكيد للإزلاف."محمولة على المصدريّة، أي المفعوليّة المطلقة، وعلى الحاليّة، على حين هي لدى ابن هشام الأنصاريّ (ت 761 هـ) محتملة لثلاثة وجوه، منها: اثنان ذكرهما أبو السعود، والثالث: احتمالها الظرفيّة بتقدير المعنى في الآية: أي زمنًا غير بعيد. كما حمل ابن هشام (غير) على أنّها حال مؤكّدة من (المتّقين) ، أفادت التأكيد لقرب العبد من ربّه، والتقدير: في حالة كونه غير بعيد، مع تجويزه إعرابها حالًا من الجنّة، فيكون المعنى: قرِّبت الجنّة للمتّقين [5] غير بعيدة. ويبدو القرب في هذا المعنى أكثر من سابقه، الّذي هو تخصيص (المتّقين) بأنّهم هم صاحب الحال؛ وذلك لدلالة السياق في الآية، وبيانه هيأة الجنّة في حال تقريبها للمتّقين، وهو الوجه الّذي أخذ به أبو السعود، فضلًا عن أنّ السياق في الآية يدور حول تصوير هذا القرب للجنّة أو وصفه لإخبار المتّقين بأنّ الجنّة بين أيديهم، وعلى ذلك يمكن أن توجّه (غير) توجيهًا إعرابيًّا آخر يخرجها من أوجه النصب إلى الجرّ، وهو صفة اظرف محذوف يدلّ عليه سياق الآية، فيكون التقدير:"وقُرِّبَت الجنّة يومئذٍ للمتّقين حال كونها في مكان غير بعيد." [6] أي إنّها بين أيديهم لا يتكلّفون في دخولها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أقرب الوجوه الإعرابيّة في إعراب (غير) الّتي أوردها أبو السعود في تفسير اللفظة، هو حملها على المفعوليّة المطلقة؛ ذلك أنّ ظاهر الآية يدلّ
(1) إرشاد العقل السليم 8/ 132.
(2) مقاييس اللغة 458 ـ 459 (زلف) .
(3) ينظر: المفردات في غريب القرآن (زلف) .
(4) جامع البيان 26/ 171.
(5) مغني اللبيب 2/ 729.
(6) الميزان في تفسير القرآن 26/ 354.