وقد تجلّى اهتمامه بالجانب النحويّ بشكل واضح ودقيق من خلال توجيهاته الإعرابيّة، ومحاولة توضيحه المعنى على وفق ما تحمله اللفظة القرآنيّة من وجوه، في مواضع متعدّدة من تفسيره، فمن ذلك:
(أ) ما تحمله اللفظة من أوجه الرفع:
ومن ذلك ما أورده أبو السعود من احتمال لفظة (الراسخون) الواردة في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.} (آل عمران:7) وجهين [1] إعرابيّين، كلاهما بالرفع، أحدهما: الرفع على أنّها معطوفة على لفظ الجلالة (الله) عزّ وجلّ. والآخر: الرفع على أنّ (الراسخين) مبتدأ ـ أي على الاستئناف ـ ولم يرجّح أبو السعود أيًّا منهما مكتفيا ببيان معنييهما، إذ قال:"أي: يتّبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أنّه مخصوص به تعالى، وبمن وفّقه له من عباده الراسخين في العلم، أي الّذين ثبتوا وتمكّنوا فيه، ولم يتزلزلوا في مزالّ الأقدام ... بابتغاء تأويله دون نفس تأويله ... ومن وقف على (إلاّ الله) فسّر المتشابه بما استأثر الله ـ عزّ وعلا ـ بعلمه، كمدّة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة." [2]
ويبدو أنّه ارتضى الوجهين معًا لاحتمال المعنى لهما، على حين أنّ المفسّرين انقسموا في القول بذلك إلى قسمين، فمنهم [3] من رجّح الرفع على الاستئناف، وهم الغالبية، فمنهم من قال بعطف (الراسخين) والوقف على (العلم) ، ومن هؤلاء ابن قتيبة الّذي أورد أدلّة في شرحه هذه الآية على صحّة هذا الوجه واختياره له، مغلظًا مَن
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 8.
(2) إرشاد العقل السليم 1/ 8.
(3) ينظر: معاني القرآن للفرّاء 1/ 137، وجامع البيان، والتفسير الكبير 7/ 152 ـ 154،
والجامع لأحكام القرآن 4/ 12 ـ 13.