الصفحة 247 من 371

وقد عرّف ابن جنّي الإعراب بأنّه"الإبانة عن المعاني بالألفاظ." [1] واتّفق جلّ النحويّين على أنّ العلامات الإعرابيّة هي دوالّ على المعاني في الكلام، والّتي هي المعاني النحويّة، وربطوا بينها وبين العوامل الّتي تحدثها، فقالوا: إنّ الإعراب دلالة على هذه العوامل، وبها يمكن التفريق بين هذه المعاني من فاعليّة، أو مفعوليّة، أو إضافة، أو غير ذلك [2] ، إذ لولا الإعراب لتداخلت المعاني واختلطت، وعجزت الألفاظ عن إيصال المعنى المراد إلى السامع بدقّة [3] قال ابن فارس:"الإعراب ... هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الّذي هو أصل الكلام، ولولاه ما ميّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، وتعجّب من استفهام ..." [4]

وقد أورد أمثلة لتفريق الإعراب للمعاني واختلافها به امثلة وذلك بأنّه لو قال أحد: ... (ما أحسن زيدْ) بتسكين اللفظتين وعدم تحريكهما، لما فهم المعنى الّذي يريده المتكلّم؛ لاحتمال التعبير معاني متعدّدة لا يتحدّد أو يتعيّن ما يراد منها إلاّ بالإعراب ووجود العلامات الإعرابيّة،"فإذا قال: (ما أحسنَ زيدًا) أو (ما أحسنُ زيدٍ) أو (ما أحسن زيدٌ) أبان بالإعراب عن المعنى الّذي أراده." [5]

فالعلامات ـ هنا ـ دلّت على معاني الكلام ـ أي المعاني النحويّة ـ مثلما

دلّت أبنية الألفاظ عليها فـ"الألفاظ مغلقة على معانيها حتّى يكون الإعراب هو الّذي يفتحها، وأنّ الأغراض كامنة فيها حتّى يكون هو المستخرج لها." [6]

وهذا المفهوم الّذي أقرّ علماء اللغة والنحو لاقى رفضًا من لدن عالم نحويّ هو قطرب (ت 206 هـ) الّذي ذهب إلى أنّ الإعراب في الكلام ليس للدلالة على المعاني المختلفة، أو للتفريق بينها؛ بل لأنّ الغرض منه صوتيّ، وهو التخلّص من السكون في الكلام لثقله، إذ قال:"وإنّما أعربت العرب كلامها؛ لأنّ الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف فلو جعلوا وصله بالسكون ايضًا لكان يلزمه الاسكان في الوقف والوصل، وكانوا"

(1) الخصائص 1/ 36.

(2) دلالة الإعراب: بتول قاسم 33.

(3) أثر المعنى في الدراسات النحويّة 205.

(4) الصاحبي في فقه اللغة 43.

(5) الصاحبي في فقه اللغة 43.

(6) دلائل الإعجاز 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت