كالّذي جاء في قوله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ.} (الحاقة:12) إذ ذكر أبو السعود أنّ تنكيرها"للدلالة على قلّتها، وأنّ من هذا شأنه مع قلّته يتسبّب لنجاة الجمّ الغفير وإدامة نسلهم." [1] فلمّا كان أكثر أهل مكّة من المعاندين، اختار القرآن لفظة (أذن) منكرة؛ لتدلّ على قلّة وعيهم لأمر الله سبحانه، وشدّة عتوّهم وإنكارهم، ما نزل عليهم، وعدم اتّعاظهم بما جرى للأمم السالفة من هلاك، وعليه فالتنكير هنا دلّ على توبيخ أهل مكّة وتحقيرهم"بقلّة من يعي منهم." [2] ولو وردت (أذن) معرفة لما دلّت على المعنى في الآية، بل لانعكس المعنى، فكأنّما تدلّ على الاستغراق للجنس أو المعهود في الأذهان من وجود معرفون كُثر وهم معروفون ومعلومون لدى السامع، وهذا مُنافٍ لسياق الآية المتقدّم في تذكير القوم وتنذيرهم بمن"جاء من قبل فرعون من الأمم المكذّبة بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود، قوم لوط بالخطيئة." [3] والمتجسّد في قوله تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً. إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ.} [4] وهؤلاء الناجون مع نوح (عليه السلام) من الوعاة كانوا القلّة القليلة، فجاء التعبير بعد ذلك مؤكّدًا معنى القلّة المتمثّلة لأمر الله من الناجين، وهم أصحاب الأذن الواعية، فكأنّ التنكير هنا دلّ دلالة أخرى، وهي التوكيد عن دلالته على التقليل أو التوبيخ.
ومثل ذلك دلالة (شيء) الواردة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.} (المائدة:94) إذ رأى أبو السعود أنّ الغرض من التنكير فيها هو"التحقير المؤذن بأنّ ذلك ليس من الفتن الهائبة الّتي تزلّ فيها أقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس، وإتلاف الأموال، وإنّما هو من قبيل ما ابتلي به أهل أيلة من صيد البحر"
(1) إرشاد العقل السليم 9/ 23.
(2) الكشّأف ... / 604.
(3) جامع البيان 29/ 52.
(4) الحاقّة 9 ـ 11.