ومن ذلك إيراد لفظة (حياة) منكرة في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ
عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ. (البقرة:96) فقد ذكر أبو السعود أنّ دلالة التنكير فيها هي للإيذان"بأنّ مرادهم نوع خاصّ منها، وهي الحياة المتطاولة." [1]
وهؤلاء هم اليهود الّذين كانوا أشدّ الناس حرصًا على العيش في الحياة
الدنيا، وأشدّهم كرهًا للممات [2] فهم حريصون على العيش فيها مهما كانت
قيمتها، وأيًّا كان لونها، حتّى وإن كانت حياة هوان وذلٍّ لا قيمة لها؛
لأنّ غاية حرصهم هي الحياة ذاتها والاستزادة منها، أي"نوع من"
الحياة مخصوص، وهو الحياة الزائدة، كأنّه قيل: ولتجدنّهم أحرص الناس،
وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر
حياة في المستقبل." [3] وعلى هذا فالتنكير هنا أفاد التحقير والتهوين [4] "
ـ أيضًا ـ لقيمة الحياة الدنيا الّتي تتّسم بقصر أمدها، وإن طال، فلا بدّ من
زوال لها، فضلًا عن أنّه أظهر نوع هذه الحياة الّتي آثرها بنو إسرائيل،
وتشبّثوا بها على علمهم بذلك، وقد رأى عبد القاهر الجرجانيّ أنّ في إيثار
التنكير في (حياة) دون التعريف"حسنًا وروعة، ولطف موقع،"
لا يقادر قدره حسن، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن
الأريحيّة والأنس إلى خلافهما." [5] وهو ما استحسنه الرازيّ [6] أيضًا."
3 ـ دلالة التحقير والتقليل:
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 132.
(2) جامع البيان 1/ 428.
(3) الإيضاح في علوم البلاغة 64، وينظر: الطراز: العلويّ 209، ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز:
الفخر الرازيّ 177.
(4) علم المعاني تأصيل وتقييم: حسن طبل 148.
(5) دلائل الإعجاز 293.
(6) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز 177.