ومن ذلك ورود لفظة (قلوب) منكرة في قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.} (محمد:24) إذ ذكر أبو السعود أنّ تنكير (قلوب) أفاد"تهويل حالها وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة، كأنّه قيل: على قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القساوة، وإمّا لأنّ المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون." [1]
فدلَ التنكير في (قلوب) على المبالغة في فقدان بصيرتهم وفظاعة جهلهم وتعاميهم، وعظم إعراضهم عن التدبّر والتفكّر؛ لأنّ قلوبهم مقفلة، وقد تبيّن ما للسياق القرآنيّ من أثر في إضفائه للتنكير في (قلوب) دلالة أقوى على معنى التهويل
والتفخيم.
2 ـ بيان النوعيّة:
ومن ذلك إيراد لفظة (نارًا) في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا.} (نوح:25) إذ حمل أبو السعود دلالة التنكير في (نار) معنيين، أحدهما: التعظيم والتهويل. والآخر: النوع، إذ قال: إنّ التنكير في (نار) "إمّا لتعظيمها وتهويلها، أو لأنّه تعالى أعدلهم على حسب خطيئاتهم نوعًا من النار." [2] فسياق الآية يحتمل المعنيين: تعظيم شأن النار الداخلين إليها لما اقترفوه في معصيتهم نبيّهم نوح (عليه السلام) من آثام عظام أودت بهم، وصيّرتهم إلى نار أعدّت لهم، لا يدرك كنهها وكيفيّتها من أيّ جنس كانت، فإنّها نوع مخصوص بهم لا بغيرهم، على أنّ هذا التفخيم في الآية تضمّنه المعنيان؛ لأنّ"التفخيم كما يكون بالكيفيّة يكون بالكمّيّة أيضًا." [3]
وبمثل ذلك قال الزمخشريّ [4] ، وتابعهما في ذلك الآلوسيّ [5] .
(1) إرشاد العقل السليم 8/ 99.
(2) إرشاد العقل السليم 9/ 41.
(3) إرشاد العقل السليم 9/ 97.
(4) الكشاف 4/ 623.
(5) روح المعاني 16/ 136.