الصفحة 236 من 371

وهذا أسلوب العرب في كلامهم، فهم لا يأتون بضمير الشأن أو القصّة إلاّ في المواطن الّتي تقتضي إبراز أمر هامٍّ يراد العناية به والالتفات إليه، فيعمل هذا الضمير كأداة للتنبيه، ولتثبيت ما يراد إبلاغه، وذلك بدفع المرء إلى الإصغاء إلى ما سيأتي بعده من كلام [1] .

ومن أمثلته [2] ما جاء في قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.} (آل عمران: من الآية191) فقد ذكر أبو السعود أنّ لفظة (هذا) "إشارة إلى السماوات والأرض متضمّنة لضرب من التعظيم." [3] ونظّر لذلك بقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.} (الإسراء: من الآية9)

فاسم الإشارة (هذا) دلّ دلالة واضحة على معنى التعظيم لهذا الخلق العجيب الّذي لا يقدر على صنعه إلاّ العظيم المقتدر، إذ أظهر السياق اللفظيّ المتقدّم في الآية المتحدّث عن المؤمنين الذاكرين لله ـ عزّ وجلّ ـ والمتفكّرين في خلقه، هذه الدلالة لاسم الإشارة لا سيّما"أنّ هؤلاء المؤمنين في حال تفكّر دائم وانبهار بآيات الله ـ سبحانه ـ وعجائب خلقه ممّا يدعوهم إلى ذكر ذلك وتعظيمه."

ومثلما دلّ اسم الإشارة (هذا) على معنى التعظيم، فقد يدلّ على معنى مضادّ لذلك، وهو التحقير كالّذي جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.} (الفرقان:41) فقد بيّن أبو السعود أنّ اسم الإشارة (هذا) في الآية أفاد"الاستحقار وإبراز بعث الله رسولًا في معرض التسليم بجعلّه صلة الموصول الّذي هو صفته (صلّى الله عليه وسلّم) مع كونهم في غاية النكير لبعثه (صلّى الله"

(1) من بلاغة القرآن: أحمد أحمد بدوي 134، وينظر: التعرف والتنكير وأثرهما في المعاني النفسيّة في

القرآن الكريم: 102.

(2) فمن ذلك دلالة (أولئك) على البعد في المنزلة في (البقرة 217) 1/ 217، ودلالة (ذلك)

على التعظيم في (البقرة 2) 1/ 23.

(3) إرشاد العقل السليم 2/ 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت