ثانيًا ـ دلالة الضمير:
ومن دلالاته أنّه يأتي في أكثر المواضع للتعظيم والتفخيم، ومن ذلك ورود الضمير هو في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.} (الحجر:25) إذ قال أبو السعود:"وتوسيط ضمير العظمة للدلالة على أنّه هو القادر على حشرهم والمتولّي له لا غير؛ لأنّهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.} [1] أي هو يحشرهم لاغير." [2] فأراد سبحانه أن يقرّر ويثبت حقيقة في أذهان المنكرين أنّه هو القادر وحده على إماتتهم وإحيائهم وبعثهم ليوم الحساب، وقد أعان على إظهار هذا المعنى اكتناف الضمير (هو) بين اسم (إنّ) والجملة الفعليّة في (يحشرهم) ، وما الضمير إلاّ"أداة للتنبيه يدفع إلى الإصغاء إلى ما يأتي بعد، فإذا وردت الجملة بعده ثبتت في النفس، وقرّت في القلب، والسرّ البلاغيّ لذلك هو التفصيل بعد الإجمال والبيان بعد الإبهام؛ وذلك أنّ الضمير يدلّ على معناه دلالة يشوبها الإجمال والإبهام، والجملة الّتي تلي الضمير ... تدلّ على هذا المعنى بوضوح وبيان. والبيان بعد الإبهام أوقع في النفس ... وذلك لأنّ السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقي منتظرًا لعقبى الكلام كيف يكون، فيتمكّن المسموع بعده في ذهنه فضل تمكّن ... وذلك ممّا يحقّق المقصود، وهو التقرير والتمكين." [3] ... ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.} (الإخلاص:1) فقد رأى أبو السعود أنّ تصدير الجملة الاسميّة: (الله أحد) بالضمير (هو) دلّ على"التنبيه من أوّل الأمر على فخامة مضمونها وجلالة حيزوها مع ما فيه من زيادة تحقيق"
وتقرير." [4] مشيرًا إلى ما في الضمير من إبهام وغموض، وهو على انفراد، فما أن ينضمّ إليه كلام يزول إبهامه ويتمكّن فضل تمكّن [5] لدى السامع."
(1) يس: 78.
(2) إرشاد العقل السليم 5/ 73.
(3) المعاني في ضوء أساليب القرآن: عبد الفتّاح لاشين 249 ـ 250.
(4) إرشاد العقل السليم 9/ 212.
(5) ينظر: إرشاد العقل السليم 9/ 212.