أمّا المفسّرون فقد أولوا المعنى عناية كبيرة، ولم يكن ذلك مستغربًا، إذ إنّ عملهم التفسيريّ يستلزم هذه العناية، ولمّا كان أبو السعود مفسّرًا وبحثنا بصدد تفسيره، فلا بدّ من وقفة عند جهود المفسّرين الدلاليّة أيضًا، إذ كان محور العمل التفسيريّ يقوم على أساس بيان معاني الألفاظ والتراكيب وتحليلها لمعرفة ما يتّصل بها من أحكام شرعيّة وفرائض دينيّة، ولا يتمّ ذلك إلاّ من خلال الاستعانة بوسائل تدلي إلى ذلك البيان وتوصل إليه، وخير معين للمفسّر في إعانته على تبيين الغامض من النصوص القرآنيّة، وتأويل ما أشكل منها هو المعرفة باللغة والإحاطة بأسرارها و قواعدها وأصولها؛ لذا اعتمد المفسّرون العلوم العربيّة والدلالية من صوت وصرف ونحو وبلاغة وسائل في الوصول إلى المعاني المبتغاة من النصّ الحكيم واستنباط الدلالة، وبذلك زخرت تفاسيرهم بهذه المباحث فضلًا عن العلوم الإسلاميّة والدينيّة.
فلم يكتف المفسّرون بإيضاح المعاني الأوّليّة للألفاظ المفردة، إنّما تعدّوا ذلك إلى محاولة استنباط الدلالات الثانية بالتأويل للكشف عن معانٍ جديدة في النصّ، ثمّ سعوا إلى بيان الدلالات الثالثة الّتي غالبًا ما تكون فقهيّة أو عقديّة أو فلسفيّة أو تشريعيّة [1] . فكانوا ـ إلى جانب الأصوليّين ـ أكثر العلماء غوصًا إلى المعاني الثانية إذ إنّهم"فطنوا منذ زمن سحيق في القدم إلى الفرق بين ظاهر القرآن وباطنه، فكان فهمهم لهذا الفرق تفريقًا منهم بين المعنى المقالي والمعنى المقامي." [2]
أمّا مفهوم الدلالة لدى المحدثين فيعدّ الأساس في الدراسات اللغوية الحديثة لاسيما الغربية، فالدلالة لديهم"عبارة عن العلاقة التي تربط الدال بالمدلول داخل العلامة اللسانية، ومن خواص هذه العلاقة أن يكون بين الدال والدلول كمال الاتصال، وأنّ"
(1) ينظر: المدخل إلى دراسة البلاغة العربيّة: أحمد خليل 64 ـ 67.
(2) مفهوم المعنى بين الأدب والبلاغة: د. محمّد بركات 113، وينظر: الفكر البلاغي عند النحويّين العرب: د. عزّام الشجراويّ 100.