إذ قال: إنّ"الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلًا بالخروج على ... الحقيقة، فقلت: (خرج زيد) ... وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلّك على معناه الّذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثمّ تجد لك بذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل." [1]
وقد شغلت الدلالة حيّزًا كبيرًا ـ أيضًا ـ من عناية الفقهاء والأصوليّين، وذلك لما لها من اتّصال وثيق بفهم نصوص كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهمًا صحيحًا لغرض استنباط الأحكام الشرعيّة منها، ومن أجل التوصّل إلى هذه الغاية عني الأصوليّون بالدراسات اللغويّة بعامّة، ودراسة المعنى بخاصّة، وتطرّقوا لمسائل على مستوى الألفاظ المفردة والتراكيب والسياقات الّتي لم يسبق إليها غيرهم ... [2]
وإنّ ادراك الأصوليّين لأهمّيّة الجانب اللغويّ في معرفة طرق دلالات النصوص دفعهم إلى البحث فيما يعينهم على دراسة المعنى بمستوياته الثلاثة (المعنى ... الحقيقيّ، والاستعماليّ، والوظيفي) ، فالحقيقيّ يتمثّل بالمعجميّ، والثاني يتمثل باستعمال اللفظ في غير معناه الأصليّ، هو المجازيّ، وتمثّل الوظيفيّ بما تؤدّيه اللفظة من وظيفة نحويّة في أثناء تركيبها مع غيرها [3] .
وقد بحثوا في العلاقة بين اللفظ والمعنى من جانبين: نظريّ وتطبيقيّ، شمل الأوّل منهما البحث في أصل اللغة، وجواز القياس فيها وعدمه، ودلالة الأسماء الشرعيّة والدينيّة. أمّا الجانب التطبيقيّ، فقد تمثّل بتفسير الخطاب الشرعيّ الّذي بحثوا فيه أنواع دلالة اللفظ على المعنى [4] ، وهي لديهم على أربعة أقسام، هي: عبارة النصّ، وإشارة النصّ، ودلالة النصّ، واقتضاء النصّ [5] .
(1) دلائل الإعجاز 202.
(2) دراسة المعنى عند الأصوليّين: د. طاهر سليمان حمّودة 3.
(3) البحث النحويّ عند الأصوليّين: مصطفى جمال الدين 9.
(4) ينظر: المعتمد في أصول الفقه: محمّد البصريّ 1/ 13 ـ 30، واللمع في أصول الفقه: أبو
إسحاق الشيرازيّ 5 ـ 29، والمستصفى من علم الأصول: الغزّاليّ 1/ 9، 30 ـ 32،
والتصوّر اللغويّ عند الأصوليّين: السيّد أحمد عبد الغفّار 4.
(5) يراد بعبارة النص: النظم المعنويّ المسوق له الكلام، فاذا عمل بموجب الكلام من الأمر والنهيّ سمّي استدلالا بعبارة النص. أما إشارة النص فهي العمل بما ثبت بنظم الكلام لغة إلاّ أنه غير مقصود في الكلام إنما المراد غير ذلك، كقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهنّ) (البقرة 233) ففي الآية إشارة الى أن النسب إلى الآباء. وتعني دلالة النص ماثبت بمعنى النص لغة لااجتهادا. أما اقتضاء النص فهو عبارة عما لم يعمل النص إلاّ بشرط متقدّم عليه كقول الرجل لآخر: اعتق عبدك هذا عني بألف درهم. فالعتق من الآمر كأنه قال: بع عبدك لي بألف .. ثم كن وكيلًا لي بالإعتاق. فإنّ ذلك أمر اقتضاه النص. ينظر: التعريفات: الشريف الجرجانيّ 29، 34، 89، 121.