الصفحة 210 من 371

لنسيانهم." [1] ثمّ روى عن ابن عبّاس (رضي الله عنه) أنّه قال: سمّي لإنسان إنسانًا؛ لأنّه عهد إليه فنسي [2] ."

فأصل (الناس) لدى أبي السعود مأخوذ من معانٍ متعدّدة أوّلها: لظهورهم سمّوا بذلك. وثانيها: من النَّوَس، وهو الحركة والاضطراب. وثالثها: أنّه من النسيان. وهو ما ذكره أصحاب المعجمات [3] . فدلالة (الناس) في نظر أبي السعود انتقلت من المجال المعنويّ على المعنيين الأوّل والثالث ـ وهي (ظهورهم وعدم اختفائهم كاختفائهم كالجنّ، أو أنّ الإنسان مأخوذ من النسيان لاتّصافه بذلك) ، إلى المجال الحسّيّ، وهي دلالتها على البشر. وهذا ما يخالف وجهة نظر علم اللغة الحديث ـ كما أشرنا ـ في جعل المعقول أصلًا والحسن والعكس هو الصحيح.

(د) الانتقال من دلالة معنويّة إلى دلالة معنويّة أخرى:

ويتحقق هذا الانتقال لخروج الدلالة من المجال المعنويّ للفظة إلى مجالها الثاني، وهو معنويّ أيضًا، وهذا النوع من الانتقال نادر الوقوع في اللغة؛ لأنّ الشائع هو الانتقال بين المحسوسات أو نقل الدلالة منها إلى المعقولات أو العكس، فضلًا عن أنّ معظم الدلالات تعود إلى أصول حسّيّة في أصل وضعها، ثمّ تتطوّر بمرور الزمن، فتكتسب دلالات تجريديّة، فـ"العلوم العقليّة مستفادة من الحواسّ ومنتهية إليها." [4] وقد تكتسب دلالة اللفظة في هذا النوع من الانتقال رقيًّا أرفع من اكتسابها ذلك بخروجها من الحسّيّات إلى الذهنيّات؛ ذلك لأنّ انتقالها من مجالها الذهنيّ أو المعنويّ إلى مجال معنويّ آخر يعبّر في مجاليه (المنقول منه) و ... (المنقول إليه) عن دلالات معنويّة بعيده عن الحسّيّات [5] .

وممّا أورده أبو السعود من أمثلة على هذا النوع ما يأتي:

(1) إرشاد العقل السليم 1/ 39.

(2) إرشاد العقل السليم 1/ 39.

(3) ينظر: المفردات في غريب القرآن 509 (نوس) ، والمعجم الوسيط 2/ 962 (ناس) .

(4) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز: الفخر الرازي 59.

(5) القاري والدرس الدلاليّ في كتابه (كرقاة المفاتيح) : إيمان صالح 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت