وهذه العمليّة"أشبه بتحميض الصور الشمسيّة لتوضيح معالمها. فبعد أن كانت الدلالة لا تدرك إلاّ إدراكًا عقليًّا بعيدًا عن الحواسّ أصبحت ممّا يُرى ويُسمع ويُلمس ويُشمّ، وسهل على الأذهان القاصرة أن تفهم مدلولها، وأن تبيّن حدودها ومعالمها بعد أن كانت مجرّد فكرة عقليّة قد يضلّ الذهن في حدودها." [1]
فتمثيل المعنى المجرّد واقترانه بالمحسوسات يكون أكثر وقعًا ورسوخًا في النفس [2] ؛ لأنّه"هو ما يلحق فيه الأدنى بالأعلى، والمجهول بالمعلوم، والخفي بالجليّ، والناقص بالكامل ..." [3]
وكان أبو السعود ممّن أولى هذا النوع عناية واضحة ـ كذلك ـ فهو على الرغم من أنّه لم يقف عند الألفاظ المنتقلة من المعنويّ إلى الحسّيّ كوقفاته الكثيره عند أمثلة النوعين المتقدّمين، لا سيّما الثاني منهما، نراه مدركًا لأهمّيّة هذا النوع وعِظَم أثره في النفوس، إذ قال: إنّ"التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل وقمع سَورة الجامح الأبيّ، كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفيّة، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجليّة، وإبداء للمنكر في صورة المعروف وإظهار للوحشيّ في هيئة المألوف." [4] ومن الألفاظ الّتي انتقلت دلالتها من المجال المعنويّ إلى المجال الحسّيّ في تفسير أبي السعود ما يأتي:
1 ـ الربّ:
ذكر أبو السعود الأصل اللغويّ لهذه اللفظة الواردة في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.} (الفاتحة:2) ..."والربّ في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا ... وقيل صفة مشبّهة من (ربّه) ـ (يربّه) مثل (نمِّه) ـ (ينمِّه) ... سمّي به المالك؛ لأنّه يحفظ ما يملكه ويربّيه، ولا يطلق على غيره"
(1) دلالة الألفاظ 160.
(2) أساليب البيان في القرآن: جعفر الحسيني 650.
(3) علم البيان دراسة تأريخيّة فنّيّة في أصول البلاغة العربيّة: بدويّ طبانة 100.
(4) إرشاد العقل السليم 1/ 50.