حسّيّ آخر بالاستعارة، إذ أصبحت تدلّ على الإهلاك والدفن الخفيّ [1] . والآخر الصوت الخفيّ الّذي يسمع من بعيد، كصوت الصائد إذا ناجى كلابه [2] ، وهذه ـ أيضًا ـ دلالة حسّيّة، فالصوت الخفيّ ممّا
يسمع، وغرز الرمح في مركزه ممّا يرى، وقد استعير للإهلاك والاستئصال لعلاقة الخفاء بينهما.
ـ الساق:
في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا ... يَسْتَطِيعُونَ.} (القلم:42) روى أبو السعود تفسيرين لهذه اللفظة، أحدهما محمول على المجاز. والآخر على الحقيقة، مشيرًا إلى أصل المعنى في اللغة، إذ قال:"أي يوم يشتدّ الأمر ويصعب الخطب، وكشف الساق مثَل في ذلك، وأصله تشمير المخدّرات عن سوقهنّ في الهرب، قال حاتم:"
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا [3]
وقيل: ساق الشيء أصله الّذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يوم يكشف عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير ... عيانا." [4] "
فعلى المعنى الأوّل أنّ لفظة (الساق) انتقلت من دلالتها الحسّيّة، وهي فيما يحدث في الحرب من هزيمة وروع وتشمير لستر النساء وخدرهنّ إلى دلالة ذهنيّة أو معنويّة، وهي شدّة الأمر وصعوبته. وقد حدث هذا الانتقال بفعل الكناية، وعلى المعنى الآخر للفظة، فيكون انتقالها من دلالتها الحسّيّة، وهي الساق المعروفة لدى الإنسان، وهي ما بين الركبة والكعب [5] إلى دلالة حسّيّة أخرى، وهي كشف الحقائق كما هي وظهورها يوم القيامة أمام مرأى العباد، فيرونها بأعينهم.
(1) المفردات في غريب القرآن 202 (ركز) .
(2) ينظر العين 2/ 230 (ركز) ، والمقاييس في اللغة 420 (ركز) .
(3) ديوان حاتم الطائيّ: د. فوزي عطوي 82.
(4) إرشاد العقل السليم 9/ 18.
(5) الإفصاح في فقه اللغة 66.