ولعلّ ما يفسّر وصف أبي السعود الواحد من معاني هذه اللفظة بأنّه من ... (المتعارف عليه في الشرع) هو اشتهار هذه اللفظة بذلك المعنى، إذ كان أكثر تداولًا وشهرة من المعاني الأخر، ممّا يجعله كالمتعارف عليه في الدائرة الشرعيّة والإسلاميّة، وأنّ كل ما أورده من معانٍ لـ (التقوى) هي دلالات شرعيّة تحتملها اللفظة وفق المنظور الدينيّ والعرفيّ، غير أنّ منها ما هو أكثر دقّة وتخصيصا في بيان المعنى المراد، وأوسع شهرة على الرغم من تقارب هذه المعاني بعضها من بعض، فمن معانيها أنّها ترك المعاصي فقط، وأنّها أيضًا فعل الطاعات وترك السيّئات معًا. وقد وصف أبو السعود المعنى الثاني بأنّه"هو المتعارف شرعًا والمتبادر عرفًا." [1] وكأنّه أراد أن يبيّن أنّه قد يقع ـ في أحيان ـ توافق بين دلالة اللفظة الّتي دخلها التخصيص في الشرع ودلالتها في عرف المجتمع، إذ إنّ الدلالتين العرفيّة والشرعيّة في أحيان قد تسيران بخطّين متوازيين، إذ إنّ كلاّ منهما يريد اتّقاء الشرّ، غير أنّ معناها في عرف المجتمع يجعل التقوى من شرور الحياة الدنيا بمقاييس متعارفة لديهم، أمّا في المنظور الإسلاميّ، فإنّ التقوى هي من عذاب الله ـ سبحانه ـ فقط، ويكون ذلك بطاعته والإخلاص في عبادته، واتّباع أوامره، واجتناب نواهيه، والاستقامة في العمل [2] ، ومن هنا جاءت العلاقة المتوافقة بين الدلالتين العرفيّة والدينيّة لـ (التقوى) اللتين أشار إليهما أبو السعود.
ـ خزائن:
قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ ... مَعْلُومٍ.} (الحجر:21) وقد فسّرها أبو السعود بأنّها"ما يُحفظ فيه نفائس الأموال لا غير." [3] ثمّ قال:"غلب في العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس، شبّهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر، المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها مستورة عن علوم العالمين، ومصونة عن وصول أيديهم مع كمال افتقارهم إليها، ورغبتهم فيها، وكونها مهيّأة متأتّية لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلّقت الإرادة بوجودها وجدت"
(1) إرشاد العقل السليم 2/ 29.
(2) التطوّر الدلاليّ لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن 316.
(3) إرشاد العقل السليم 5/ 72.