الدلالات العامّة يستعملونها استعمالًا خاصًّا." [1] "
فلفظة (الرثّ) مثلًا كانت تطلق على الخسيس من كلّ شيء، ثمّ قصر مدلولها في الاستعمال العرفيّ على الخسيس ممّا يلبس أو يفرش [2] ؛ لكثرة استعمالها في ذلك، ولفظة (الصلاة) معناها في الأصل الدعاء، ثمّ شاع استعمالها في الشرع في العبادة المعروفة [3] ؛ لأنّها اشتملت على مظهر من مظاهر الدعاء، حتّى أصبح إطلاقها خاصًًا بهذا المعنى، غير منصرفة إلى غيره [4] .
وقد عرفت هذه الظاهرة الدلاليّة منذ القدم، ولم يغفل عنها علماؤنا الأوائل، فقد أشاروا إليها في مؤلّفاتهم [5] ، لا سيّما في بيانهم معاني الألفاظ القرآنيّة، وقد كان أبو السعود سائرًا على هديهم، وعلى الرغم من أنّه لم يشر إلى المصطلح المعروف لهذه الظاهرة، وهو ـ كمن سبقه ـ في ذلك كان إلى إدراك واسع لها، إذ ظهرت عنايته بها واضحة من خلال وقفاته المتكرّرة عند الألفاظ الّتي تخصّصت دلالتها بطروء التغيّر عليها حتّى غدت معروفة بدلالات جديدة، أو مرتبط بما وضعت له في أصولها اللغويّة بعلاقات مجازيّة بطريق الملابسة أو المجاورة أو الجزئيّة، وغير ذلك من علاقات المجاز العقليّ واللغويّ، وقد وردت الألفاظ القرآنيّة الّتي خصّت دلالاتها العامّة بدلالات محدّدة ـ وفقًا للاستعمال العرفيّ، أو الشرعيّ، بكثرة في القرآن الكريم، فالتفت إليها أبو السعود في تفسيره محلّلًا ومتتبّعًا دلالاتها بتقادم العهد، ومحاولًا الربط بين الدلالة الأصليّة لها والجديدة الّتي تخصّصت لها، ممّا ينبئ بسعة إحاطته باللغة ودقّته في التحليل، لا سيّما أنّه بصدد تفسير ألفاظ القرآن الكريم الّتي تتطلّب منه هذه الدقّة والاتّساع في التحليل اللغويّ لبيان المعاني القرآنيّة، والوصول إلى المعنى المراد بدقّة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ عناية أبي السعود في هذا المجال انصبّت على بيان التغييرات الدلاليّة الطارئة على الألفاظ الّتي انحسرت دلالتها وفقًا للمفهوم الدينيّ أو
(1) دلالة الألفاظ 153 ـ 154.
(2) ينظر: المقاييس في اللغة 399 (رثّ) ، والمعجم الوسيط 1/ 328.
(3) ينظر: المقاييس في اللغة 572 (صلي) / والمعجم الوسيط 1/ 522 (صلّ) .
(4) علم اللغة (وافي) 319 ـ 320.
(5) ينظر: تفسير غريب القرآن 7 ـ 34، والزينة في الكلمات الإسلاميّة 1/ 134 وما بعدها،
والمستصفى من علم الأصول 2/ 102، والإتقان غي علوم القرآن 2/ 98. ... .