الصفحة 179 من 371

(تقابليّة) ، فالمؤمنون آثروا الآخرة وباعوا الدنيا، على عكس المتخلّفين

(المبطئين) . فهؤلاء اشتروا الحياة الدنيا على الآخرة.

ومن التقابلات بين الألفاظ المفردة ما كان تقابلًا معنويًّا، وقد تنبّه عليه أبو السعود، فمن ذلك [1] التقابل بين (بغتة، وجهرة) الواردتين في قوله تعالى: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً.} (الأنعام: من الآية47) فقال:"أي فجأة من غير أن يظهر منه مخايل الإتيان وحيث تضمّن هذا معنى الخفية قوبل بقوله تعالى: (أو جهرة) ، أي بعد ظهور أماراته وعلائمه، وقيل: ليلًا أو نهارًا، كما في قوله تعالى: {بياتًا أو نهارًا} ، لما أنّ الغالب فيما أتى ليلًا (بغتة) ، وفيما أتى نهارًا (الجهرة) ." [2]

فهذه المقابلة بين (بغتة) و (جهرة) معنويّة لدى أبي السعود؛ لأنّ ما

يقابل (الجهرة) (الخفية) ، و (البغتة) في الآية تضمّنت معنى الخفاء وعدم

الإظهار، وهذه المقابلة أدّت إلى تقابل آخر ما بين (ليل) و (نهار) ، وهما ما يتوقع من وقت وقوع العذاب، إذ إنّ العذاب واقع بالكفّار لا محالة"سواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقّعونه، أو جاءهم جهرة، وهم صاحون متأهّبون، فإنّ الهلاك سيحلّ بالقوم الظالمين." [3]

ويمكن إقامة التقابل بين (بغتة) و (جهرة) وما يقابلهما (ليل) و (نهار) على طرفي المعيار التقابليّ غير المتدرّج لدى المحدثين؛ لأنّ عدم وقوع العذاب خفية أو ليلًا يعني ذلك وقوعه في النهار وبالعكس.

ومثلما وقف أبو السعود عند ما تقابل من الألفاظ المفردة المتميّزة بسعتها وكثرتها في تفسيره، وقد استوقفت ابا السعود المتقابلات من التراكيب والصور والمواقف القرآنيّة على نحو وقوفه على الالفاظ المفردة. وهو في هذا كغيره من السابقين.

فمن ذلك مقابلته بين تركيبين على نحو ما جاء في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ.} (إبراهيم:

(1) ينظر: إرشاد العقل السليم 4/ 17 في (الأنفال: 27) .

(2) إرشاد العقل السليم 3/ 135.

(3) في ظلال القرآن 7/ 1092.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت