من الآية27) إذ قال: إنّ المراد من قوله: (ويضلّ الله الظالمين) اي"الكفرة، بدليل ما يقابله. ووصفهم بالظلم إمّا باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه، وإمّا باعتبار ظلمهم لأنفسهم." [1] فقابل مقابلة معنويّة من خلال المثل في الآية بين المؤمنين الّذين ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت والكلمة الطيّبة، والكافرين أصحاب الكلمة الخبيثة المشبّهة بالشجرة الخبيثة في المثل الّذي ضربه الله سبحانه، ففي ظلّ الشجرة مثلًا للكلمة الطيّبة يثبّت الله المؤمنين بالقول الثابت، وفي ظلّ الشجرة الخبيثة الّتي ليس لها قرار ولا ثبات يضلّ الله الظالمين [2] . ومن صور التقابل لديه أنّه يورد تقابلات بين صورة قرآنيّة وأخرى، من ذلك ما جاء في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.} (التوبة:109) إذ بيّن أنّ"الشفا الجرف، والجرف ما جرفه السيل، أي استأصله واحتفر ما نحته، فبقي واهيًا يريد الانهدام، والهار الهائر المتصدّع المشرف إلى السقوط." [3] ثمّ أقام مماثلة بين انهيار بنيان هؤلاء وبين"ما ينوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس ... ثمّ رشّح بانهياره في النار، ووضع بمقابلة الرضوان تنبيهًا على أنّ تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياته الّتي أدناها الجنّة، وتأسيس هذا على ما هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة، ثمّ مصيرهم إليها لا محالة." [4]
فقابل بين صورتين، هما صورة المؤمن الّذي يبني إيمانه وتقواه على أساس ثابت وقويّ قائم على رضوانه الله تعالى، والكافر الظالم الّذي بناؤه قائم على حافّة جرف منهار، وهذا البناء هو دعواتهم المبنيّة على الكيد والكفر والنفاق الّتي لا محالة من انهيارها إلى المصير المقرّر في نار جهنّم. أمّا المؤمنون فهم من أقاموا دعواتهم على أساس من
(1) إرشاد العقل السليم 5/ 44.
(2) في ظلال القرآن 13/ 2099.
(3) إرشاد العقل السليم 4/ 103.
(4) إرشاد العقل السليم 4/ 103.