الصفحة 177 من 371

بين (سفك الدماء) و (تطهير النفس) على نوع ـ أيضًا ـ من علاقة المقاربة، فالقتل العمد للنفس المحرّمة هو بمثابة (تلويث للنفس بالآثام) .

وقد ذكر أبو السعود في موضع آخر من تفسيره أنّ ثمّة تقابلا بين(الفساد،

والصلاح)، إذ قال:"والفساد خروج الشيء عن الحالة الللائقة به والصلاح مقابله، والفساد في الأرض هيّج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد، واختلال أمر المعاش والمعاد." [1]

وقد قال بذلك طائفة من العلماء، ومنهم الراغب الأصفهانيّ [2] الّذي رأى أنّ

(الصلاح، والفساد) مختصّان بأفعال العباد في أكثر الأحيان، وذكر أنّ (الصلاح) قوبل في القرآن الكريم بالفساد تارة، وبالسيّئة تارة أخرى، وأنّ (الفساد) "خروج الشيء عن الاعتدال قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرًا." [3] يعني ذلك أنّ نسب الصفات الخلقية والسلوكيّة للإنسان تتفاوت بين ارتفاع وانخفاض من شخص إلى آخر، فمثلًا تختلف درجة الصلاح النفسيّ والاجتماعيّ من شخص إلى آخر، فهناك من ترتفع لديه نسبة الصلاح، وهناك من ينعت بأنّه سيّء، أو سيّء جدًّا، أو إلى حدّ ما، وهذا يعني أنّ التقابل بين ... (الصلاح، والفساد) هو ممّا يصحّ وضعه في نهايتي المعيار المتدرّج من التقابل التدرّجيّ، وما بينهما من تقابلات، فهي داخليّة، ويمكن بيان ذلك بما يأتي:

الفساد ... الصلاح

الأشراك ... التسبيح (التوحيد)

تلويث النفس بسفك الدماء ... تطهير النفس عن الآثام

ومن أمثلته ـ كذلك ـ تفسيره (ذات اليمين) و (ذات الشمال) في قوله تعالى:

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ

الشِّمَالِ. (الكهف: من الآية17) إذ قال:"أي تراها تميل عنهم يمينا وشمالًا،"

ولا تحوم حولهم مع أنّهم في متّسع من الكهف ... وكان باب الكهف شماليًّا ... وأقرب

(1) إرشاد العقل السليم 1/ 43.

(2) المفردات 284 (صلح) .

(3) المفردات 379 (فسد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت