ويبدو أنّ أبا السعود أراد من قوله"أبلغ من الأوّل."أنّ التقابل بين (الأحياء، والأموات) فيه ملمح دلاليّ مكثّف، بالقياس إلى التقابلات الأخر المتقدّمة، ولا سيّما التقابل بين (الأعمى، والبصير) فكأنّه أحسّ بالعمق الدلاليّ في لفظتي (الأحياء)
و (الأموات) بالنظر إلى مقابلتيهما (البصير) ، و (الأعمى) ، فقد تضمّنت صفة الحياة الممنوحة للأحياء معاني كثيرة ودلالات متعدّدة [1] لا تضاهيها معاني
صفة (البصر) الملازمة للبصير، وهو الإنسان المؤمن المهتدي، ومثلهما
لفظتا (الأموات) [2] و (الأعمى) ، فقد يفقد الإنسان بصره ليصبح (أعمى) ، إلاّ أنّه في المقابل قد يمنحه الله تعالى بصيرة أقوى ممّا لو كان مبصرًا، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا (الأعمى، والبصير) للكافر والمؤمن، مثلما جعل (الظلمات، والنور) مثلين للحقّ والباطل، وما يؤدّيان إليه من الثواب والعقاب، وجعل الّذين
دخلوا في الإسلام أحياءً، والّذين لم يدخلوا فيه أمواتًا [3] ، والميّت يعني: الضالّ
عن سبيل التوحيد، وعن الهدى [4] .
وممّا أورده من تقابلات لفظيّة ما جاء في قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.} (البقرة: من الآية30) إذ قال:"كأنّهم قابلوا الفساد الّذي أعظمه الإشراك بالتسبيح وسفك الدماء الّذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم بتطهير النفس عن الآثام." [5] ففي الآية وحدتان تقابليّتان هما: (الفساد، والتسبيح) ، و (تلويث النفس بسفك الدماء، وتطهير النفس عن الآثام) .
ويبدو من كلامه المتقدّم أنّه أقام التقابل بين (الفساد) و (التسبيح) ، أي: إنّ المقابل الحقيقيّ للتسبيح هو الإشراك، فما يتّصل بـ (التسبيح) ، هو التوحيد
لله تعالى، ويتّصل بالإشراك (الفساد) بعلاقة المقاربة في المعنى، فنبّه أبو السعود على أنّ (الإشراك) أعظم القبائح، وأشدّها، كما أقام الوحدة اللتقابليّة الثانية
(1) ينظر: المفردات 138 ـ 140.
(2) ينظر: المفردات 476 ـ 477، والوجوه والنظائر في القرآن الكريم 234 ـ 236، و 237 ـ
(3) الكشّاف 3/ 617.
(4) الوجوه النظائر في القرآن الكريم: 234.
(5) ارشاد العقل السليم 1/ 83.