الصفحة 175 من 371

للنفس، ولا يقتضي رفع الصوت به، والجهر يقتضي رفع الصوت به." [1] فالجهر هو عموم الإظهار والمبالغة فيه [2] ."

وعليه فالتقابل القائم بين (الجهر، والإسرار) ممّا يصلح وضعه في نهايتي المعيار والمتدرّج في التقابل المتدرّج؛ لوجود علاقات تقابليّة داخليّة بين المتقابلين الأساسين، فعدم الإسرار بالقول لا يعني ـ بحال ـ أنّه أجهر به، كما أنّ عدم الجهر بالقول لا يدلّ على الإسرار به، بل ربّما يكون أظهر إلى حدّ ما، إي إلى شخص أو شخصين، وليس بشكل مبالغ فيه، فيقول أبو هلال العسكريّ:"ألا ترى أنّك إذا كشفت الأمر للرجل والرجلين، قلت أظهرته لهما، ولا تقول جهرت به إلاّ إذا أظهرته للجماعة الكثيرة، فيزول الشكّ." [3] وهذا ما يتبيّن من الآية، إذ تدرّجت الأساليب الّتي اتّبعها النبيّ نوح (عليه السلام) في إبلاغه رسالته إلى القوم بين السرّ والعلن ثمّ

الجهر، وقد توسّطت دلالات أخر بين السرّ والجهر، ذكر أبو السعود ذلك في موضع آخر من تفسيره لفظة (الخفاء) ، إذ قال: إنّ"مرتبة السرّ والخفاء متقدّمة على مرتبة ... العلن." [4] ويمكن توضيح ذلك بما يأتي:

وقد لا يكون التقابل بين المفردات عند أبي السعود من باب المتضادّ أو المتناقض أو المتخالف، وقد أورد تقابلات كثيرة اقتصر في تعليقه عليها بأنّها من المتقابل أو ممّا يوحي بذلك. ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ} (فاطر: 19ـ22) إذ ذكر أنّ التقابلات في الآية بين (الأعمى، والبصير) و (الظلمات، والنور) و (الظلّ، والحرور) هي بمثابة اجراء مقابلة بين المؤمن والكافر، ثمّ بي‍ّن أنّ التقابل بين (الأحياء، والأموات) ما هو إلاّ"تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأوّل، ولذلك كرّر الفعل، وأوثر صيغة الجمع في الطرفين تحقيقًا للتباين بين أفراد الفريقين." [5]

(1) الفروق اللغوية 237.

(2) ارشاد العقل السليم 5/ 53.

(5) إرشاد العقل السليم 7/ 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت