الصفحة 172 من 371

مصدر واحد مثبت ومنفيّ أو بين أمر ونهي [1] ، كالّذي في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.} (الروم من الآية6 ـ 7) فالطباق في الآية بين الفعلين (لا يعلمون) و (يعلمون) .

وقد أشار أبو السعود إلى ذلك عند تفسيره قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ.} (الأنفال: من الآية47) غير أنّه اصطلح عليه بـ (الضدّ) ، وهو يريد به النقيض، إذ قال:"فنُهي المؤمنون أن يكونوا أمثالهم مرائين بطرين، وأمروا بالتقوى والإخلاص من حيث إنّ النهي عن الشيء مستلزم للأمر بضدّه." [2]

وهو في ذلك متابع للبلاغيّين القدماء في ذهابهم إلى أنّ النهي عن الشيء يوجب الأمر بنقيضه ـ كما أشرنا آنفًا ـ وهذا النوع لم يعدّ من التقابل لدى غيرهم؛ ذلك لأنّه"لا يؤدّي معنى التقابل؛ بسبب أنّ اللفظة باقية في أصلها، زيد عليها النفي، فتحوّلت إلى طباق، وهذا لا يحقّق عنصر التقابل الّذي يقوم على وجود لفظتين علاقتهما أصلًا قائمة بذاتها على التقابل من دون اللجوء إلى واسطة، والأمر ... أنّ علاقة مثل (قام) يقابلها (قعد) ، ولا يتحقّق التقابل في (قام) و (لم يقم) . [3] "

ومن قبيل التقابل بالنقيض لدى أبي السعود ما جاء في قوله تعالى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا.} (الإنسان:18) فقد علّل تسمية العين في الآية (سلسبيل) بقوله:"السلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال: شراب سلسل وسلسال"

وسلسبيل، ولذلك حكم بزيادة الباء، والمراد بيان أنّها في طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة، بل نقيض اللذع هو السلاسة." [4] وهذا قول الزمخشريّ [5] ، وتابعه فيه البيضاويّ [6] وغيره."

(1) ظاهرة التقابل الدلاليّ في اللغة العربيّة 52، وظاهرة التقابل في علم الدلالة

(2) إرشاد العقل السليم 4/ 25.

(3) ظاهرة التقابل في اللغة العربيّة 52.

(4) إرشاد العقل السليم 9/ 74.

(5) الكشّاف 4/ 672.

(6) أنوار التنزبل وأسرار التأويل 5/ 429.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت