وقد ذكر هذه الفروقات قبله أبو هلال العسكريّ، وزاد عليها فروقًا أخرَ، هي أنّ"الرسالة جملة من البيان يحمله القائم بها؛ ليؤدّيها إلى غيره، والنبوّة تكليف القيام بالرسالة، فيجوز إبلاغ الرسالات، ولا يجوز ابلاغ النبوأت." [1]
وممّا يدخل في دائرة العموم والخصوص بين الألفاظ المتقاربة في دلالاتها التماس أبي السعود فروقًا معنويّة بين ألفاظ من الآي القرآنيّ؛ ممّا يشعر بتساوي الدلالة بينهما تمامًا وانعدام الفروقات فيها على نحو ما ذكره في الفرق بين (الحمد)
و (الشكر) [2] .
فقد أورد ـ قبل ذكر ما بين اللفظتين من فرق دلاليّ ـ إحدى التقليبات الاشتقاقيّة لـ (الحمد) ، وهي: المدح، مبيّنًا الفرق الدلاليّ بين التقليبتين، إذ قال: إنّ"الحمد هو النعت بالجميل على الجميل اختياريًّا كان أو مبدأ له على وجه يشعر ذلك بتوجيهه إلى المنعوت، وبهذه الحيثيّة يمتاز عن المدح، فإنّه خالٍ عنها، يرشدك إلى ذلك ما ترى بينهما من الاختلاف في كيفيّة التعلّق بالمفعول في قولك: حمدته ومدحته، فإنّ تعلّق الثاني بمفعوله على منهاج تعلّق عامّة الأفعال بمفعولاتها، وأمّا الأوّل فتعلّقه بمفعوله منبئ عن معنى الإنهاء، كما في قولك: كلّمته." [3]
وقد ذكر أبو السعود فرقًا آخر، وهو أنّ في المدح قد يقال:"مدحت زيدًا على حسنه ورشاقة قدّه." [4] فكأنّه أراد أنّ الحمد يكون بذكر محاسن المحمود الّذي قدّم جميلًا أو عطاءً، شواء أكان ذلك الجميل ناتج عن طبع فيه، أم صفة عارضة له، فلا يكون هذا الحمد إلاّ بعد وقوع الفعل الحسن، فيقع الحمد بعده، يقول الرازي عند تفريقه بين صفتي الحمد والمدح:"إنّ المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أمّا الحمد فإنّه لا يكون إلاّ بعد الإحسان." [5] وهذا ما لا يتوفّر في (المدح) ، فقد يمدح إنسان ولم يفعل شيئًا من المحاسن والجميل، على حين لا يحمد من لم يفعل جميلًا [6] .
(1) الفروق اللغويّة 222 ـ 223.
(2) تكرّرت وقفته في تفريقه بين اللفظتين في تفسيره 7/ 71، في آية (12) من سورة لقمان.
(3) إرشاد العقل السليم 1/ 11.
(4) إرشاد العقل السليم 1/ 12.
(5) التفسير الكبير 1/ 218.
(6) لمسات بيانيّة: فاضل السامرّائي 10 ـ 11.