في ذلك يرى اختلافًا بين (الخشية) و (الشفقة) ، وليس من جامع بينهما، والحقّ أنّهما يشتركان في معنى الخوف مع تغاير في نوع هذا الخوف، فالخوف الّذي حمله أبو هلال على رقّة القلب وضعفه ما هو إلاّ نتيجة للشعور بالخوف والقلق، والأمّ حين تشفق على ولدها، فهي تخاف عليه. وقد ذكر ذلك أصحاب المعجمات [1] والمفسّرون [2] ذهبوا إلى أنّ (الشفقة) في الآية: الخوف، وذهب الآلوسيّ إلى أنّ التقدير في الآية هو أنّهم"خائفون من خوف عذابه تعالى، ثمّ إنّ هذا الإشفاق صفة لهم دنيا وأخرى." [3]
ثانيًا ـ ومن الأساليب الّتي اتّبعها أبو السعود في تفريقه بين المفردات من الألفاظ الموصوفة بالترادف بيانه ما يربط بين هذه الألفاظ من دلالات العموم والخصوص بإيراده مصطلح (أعمّ) أو (أخصّ) ، وقد تجلّى ذلك عند تفسيره قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ.} (الحج: من الآية52) إذ فرّق بين لفظتي (رسول) و (نبيّ) قائلًا: إنّ" (الرسول) من بعثه الله تعالى بشريعة جديدة يدعو الناس إليها، و (النبيّ) يعمّه ومن بعثه لتقرير شريعة سابقة، كأنبياء بني إسرائيل الّذين كانوا بين موسى وعيسى (ص) ؛ ولذلك شبّه (ص) علماء أمّته بهم، فـ ... (النبيّ) أعمّ من الرسول ... والنبيّ غير الرسول: من لا كتاب له، وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبيّ يقال له ولمن يوحى إليه في المنام." [4]
ثمّ استدلّ أبو السعود على ذلك بما أثر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) دليلًا لما ذهب إليه من عموم دلالة (النبيّ) إذ قال:"فالنبيّ أعمّ من الرسول، ويدلّ عليه أنّه (ص) سئل عن الأنبياء، فقال: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، قيل: فكم الرسل منهم؟ فقال: ثلاثمئة وثلاثة عشر جمّاء غفيرًا." [5]
(1) ينظر: العين 2/ 928 ـ 929 (شفق) ، والقاموس المحيط 4 /
326 (خشي) ، و 3/ 258 (شفق) .
(2) ينظر: جامع البيان 17/ 17، و الجامع لأحكام القرآن 14/ 295، وفتح القدير 3/ 405،
و في ظلال القرآن 16/ 2375.
(3) روح المعاني 14/ 98.
(4) إرشاد العقل السليم 6/ 113.
(5) إرشاد العقل السليم 6/ 103.