ذلك كغيره ممّن سبقه من علماء اللغة والتفسير، فكان أكثرهم قد نهج هذا النهج ـ ومن الوسائل والأساليب الّتي اتّبعها أبو السعود في تفريقه بين ما تقارب وتناظر من الألفاظ، ما يلي:
أوّلًا ـ اعتمد الرجوع إلى الأصل اللغويّ للفظة مع الالتفات إلى ما ينتجه استبدال حروف المعاني من فروقات دلاليّة في معنى اللفظتين، فمن ذلك تفريقه بين لفظتي
(الخشية) و (الإشفاق) الواردتين في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.} (الأنبياء:28) إذ بيّن أنّ معنى (مشفقين) :"مرتدعون" [1] ثمّ قال:"وأصل الخشية الخوف مع التعظيم، ولذلك خصّ بها العلماء، والإشفاق الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بـ (من) يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بـ (على) ينعكس الأمر." [2] وأراد بقوله:"ينعكس الأمر"أنّه عند التعدية بـ (على) يكون معنى الاعتناء في (الإشفاق) أظهر.
وقد ذكر ذلك قبله طائفة من اللغويّين [3] والمفسّرين، كالراغب الأصفهاني الّذي زاد على ذلك أنّ التعدية بـ (في) يكون"معنى العناية فيه أظهر." [4] محتجًّا بقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ.} (الطور: من الآية26) والبيضاويّ [5] من المتأخّرين.
وقد فرٌّق أبو هلال العسكري ّ بينهما على نحو آخر، لا سيّما في دلالة (الشفقة) إذ قال:"إنّ (الشفقة) ضرب من الرقّة وضعف القلب ينال الإنسان، ومن ثمّ يقال للأمّ إنّها تشفق على ولدها، أي: ترقّ له، وليست هي من الخشية والخوف في شيء ... ومن هذا الأصل قولهم: ثوب شفق، إذا كان رقيقًا، وشبّهت به البداة؛ لأنّها حمرة ليست بالمحكمة، فقولك: أشفقت من كذا معناه: ضعف قلبي عن احتماله." [6] وهو
(1) ارشاد العقل السليم 6/ 64.
(3) إرشاد العقل السليم 6: 64.
(2) ينظر: الإتقان في علوم القرآن 1/ 569، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن: السيوطيّ 3/ 602،
(3) وينظر: الإعجاز البياني للقرآن الكريم: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) 209.
(4) المفردات في غريب القرآن 149 (خشي) ، و263 ـ 264 (شفق) .
(5) المفردات في غريب القرآن 4/ 90.
(6) الفروق اللغويّة 200.