والإفاضة في الحديث يعني الإكثار منه، وأفاض القوم في الحديث وخاضوا، يعني: اندفعوا واهتضبوا [1] ، قال الراغب:"استعير (أفاضوا) في الحديث إذا خاضوا فيه." [2] والإفاضة: الزحف والدفع في السير بكثرة. والإفاضة في أصل اللغة: صبّ الماء وتدفّقه، ثمّ استعيرت للدفع في السير [3] .
(2) الفروق الدلاليّة:
ارتبط هذا الموضوع بالترادف بشكل واضح لدى القدماء والمحدثين، فأحدث من اتّساع في إطلاق المترادفات من الألفاظ في اللغة أدّى إلى لجوء العلماء إلى الحدّ من هذه الظاهرة، وذلك بالتماس الفروق اللغويّة بين الألفاظ، وتمثّلت محاولاتهم هذه بوضع مؤلّفات بهذا كـ (الفروق اللغويّة) لأبي الهلال العسكريّ.
وقد عمد أبو السعود في مواضع كثيرة من تفسيره إلى التماس الفروق الدلاليّة بين الألفاظ الّتي تبدو للوهلة أنّها مترادفة، غير أنّه لم يحدّد ذلك بتسمية خاصّة ومعيّنة، فهي ـ عنده ـ في ضمن مصطلح الترادف، إلاّ أنّه ميّز بين ما ترادف من معاني الالفاظ ترادفًا تامًّا، وما تقارب منها تقاربًا جزئيًّا، وإن لم يصرّح بذلك، وقد تبيّن ذلك من وقفاته عند الألفاظ المترادفة، فكان فيما يدخل ضمن الترادف التامّ لديه، يستعمل مصطلحات تدلّ على ذلك كالأخ، والنظير، وغير ذلك، ممّا مرّ ذكره، أمّا فيماخرج عن هذا النطاق، فكان يستعين بوسائل مختلفة في التفريق بين معاني هذه الألفاظ [4] واردة في سياق قرآنيّ واحد أم جاءت لفظة منها في آية معيّنة، ثمّ يأتي هو بما يرادفها من ألفاظ قرآنيّة أو غير قرآنيّة.
وقد كثرت وقفاته عند الألفاظ المتقاربة في دلالاتها، ممّا يوحي بأنّه كان من القائلين بالترادف الجزئيّ مع إقراره بالتامّ، وإن كان عروجه على الأخير أقلّ من الأوّل، فهو في
(1) القاموس المحيط 2/ 432 (خاض) ، و2/ 351 (فاض) .
(2) المفردات 387 ـ 388 (فيض) و 161 (خوض) ، و 1/ 145 (هضب) .
(3) تهذيب اللغة 12/ 77 (فاض) .
(4) مثل: (السرّ والخفاء) في قوله تعالى: (( فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. ) ) (طه: من الآية7) ،
و (الرسول والنبيّ) في قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ. ) )(الحج: من
الآية52)