وأنّ"كل صفة منها، فمعناها غير معنى الأخرى." [1] وهذا ما أثبته غير واحد من المحدثين [2] الّذين بحثوا بدقّة في ما ورد من مقولات قديمة عن كلّ من أبي علي الفارسي وأحمد بن فارس.
وقد تفرّد من علماء اللغة القدماء أبو هلال العسكري في تأكيده قضيّة انعدام وجود الترادف التامّ في اللغة، فوضع كتابًا في (الفروق اللغويّة) متّخذًا من التماس الفروق الدلاليّة بين معاني الألفاظ الّتي تبدو مترادفة، منهجًا له في كتابه المذكور، فرأى فيه أنّ"كلّ اسمين يجريان على معنى من المعاني، وعين من الأعيان في لغة واحدة، فإنّ كلّ واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلاّ لكان الثاني فضلًا لا يحتاج إليه." [3] فلم يجوز دلالة اللفظين على معنى واحد؛ لاعتقاده أنّ في ذلك"تكثيرًا للغة بما لا فائدة فيه." [4]
اما الترادف في الدرس اللغوي الحديث فقد كان عبارة عن ألفاظ اتحدت في معانيها , أي أنها قابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق، وقد اتّسمت المحدثين إلى الترادف بكونها أكثر عمقًا وتحديدًا بالقياس إلى نظرة علماء اللغة القدماء الّتي وصفت بالاتّساع، فعلم اللغة الحديث لا ينكر وقوع الترادف في اللغة، بل يكاد المحدثون أن يجمعوا عليه، إلاّ أنهم اشترطوا شروطًا ينبغي توفرها لحدوث الترادف التام والقول به هي ضرورة الاتّفاق في معنى اللفظتين اتّفاقًا تامًّا، وضرورةالاتّحاد في البيئة اللغويّة، وفي العصر والزمن، وألاّ تكون إحدى اللفظتين نتيجة لتطوّر صوتي للفظة أخرى [5] .
وقد حدث خلاف بين المحدثين في الترادف، إلاّ أنّ القضيّة لديهم أكثر تشعّبا ممّا هي عليه لدى القدماءلأرتباطها ـ في رأيهم ـ بدراسة المعنى وأنواعه [6] ، الأمر الّذي أفضى بهم إلى تقسيم الترادف إلى [7] :
(1) الصاحبي في فقه اللغة 60.
(2) ينظر: الترادف في اللغة: حاكم لعيبي 221، وعلم اللغة بين القديم والحديث: عبد الغفّار حامد ...
301، و مفهوم الدلالة عند ابن فارس: صبحي البستاني 183.
(3) الفروق اللغويّة 11.
(4) الفروق اللغويّة 12.
(5) ينظر: في اللهجات العربيّة 166 ـ 168، وفصول في فقه العربيّة: د. رمضان عبد التوّاب 284
والتراث اللغوي العربي وعلم اللغة الحديث: د. حسام البهنساوي 50 ـ 51 , والترادف في اللغة 66.
(6) ينظر: علم الدلالة (عمر) 31 ـ 49.
(7) علم الدلالة (عمر) 220 ـ 222.